قراءة تحليلية · القسم الثاني من مقاصد الشريعة

واجب الاجتهاد

الفصل الرابع والعشرون من المقاصد العامّة · صفحات 393–396 من الجزء الثالث

4صفحات
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

هذا الفصل القصير (4 صفحات) يختم المقاصد العامّة بدعوة عملية صريحة: الاجتهاد فرض كفاية على الأمّة، والأمّة أثمت بالتفريط فيه. ابن عاشور لا يكتفي بالمبدأ بل يقترح آلية تنفيذية: مجمع علمي دولي يجمع أكبر علماء كلّ قطر إسلامي، يبسطون حاجات الأمّة ويصدرون عن وفاق. هذا ليس حلمًا طوباويًّا — بل خطّة مؤسّسية تحقّقت لاحقًا بمجمع الفقه الإسلامي.

فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 لماذا وُلد؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها

يأتي في آخر القسم الثاني كخاتمة عملية. بعد أن بنى ابن عاشور نظرية المقاصد كاملة — من إثباتها إلى ضوابطها إلى مفاهيمها — يحتاج إلى الإجابة عن سؤال: من يُعمل هذه النظرية؟ الجواب: المجتهدون. لكنّ الواقع أنّ الاجتهاد توقّف فعليًّا.

فالفصل صرخة إنذار مسنودة بنظرية كاملة. ليس تشخيصًا أكاديميًّا بل استنفارًا مؤسّسيًّا: من بنى على المقاصد أن يسأل نفسه — لماذا لا يُوجد من يُجريها على الوقائع المتجدّدة؟ وهكذا يُغلق ابن عاشور دورة الكتاب بالسؤال العملي الذي لا مناص منه.

2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل

الاجتهاد ليس ترفًا بل فرض تأثم الأمّة بتركه. يقول: «الاجتهاد فرض كفاية على الأمّة بمقدار حاجة أقطارها وأحوالها. وقد أثِمت الأمّة بالتفريط فيه مع الاستطاعة».

ثمّ يوزّع الإثم على ثلاثة: العلماء المتمكّنون الذين قعدوا مع الاستطاعة، والعامّة في سكوتهم عن المطالبة، والأمراء في إضاعتهم حمل أهل الكفاءة عليه. هذا التوزيع الثلاثي للمسؤولية مهمّ: الاجتهاد ليس شأنًا فرديًّا للعالم وحده، بل مسؤولية سياسية ومجتمعية مشتركة.

3 السؤال والقطيعة الإشكالية المؤسِّسة

السؤال: هل يجوز للأمّة أن تكتفي بالمذاهب الموروثة دون اجتهاد جديد؟ ابن عاشور يجيب بلا حاسمة — لأنّ الأحوال تغيّرت: أنّ من الأحوال ما ظهر متغيّرًا عن العصور التي كان فيها المجتهدون، ومنها ما طرأ ولم يُعرف نظيره.

ويضرب أمثلة ملموسة: بيع الطعام، المقاصّة ، بيوع الآجال، الشفعة — «في كثير منها تضييق» لم يعد يناسب الحال. القطيعة مع السائد في زمنه: الرأي الغالب كان أنّ باب الاجتهاد موصود بعد القرون الأولى، أو أنّ التقليد كافٍ. ابن عاشور لا يُناقش هذا نقاشًا كلاميًّا — يثبت انتفاء موضوعه: الوقائع الجديدة التي لا حكم لها في المذاهب هي دليلٌ بذاتها على أنّ الاجتهاد لم يكتمل.

4 كيف يعمل عقله؟ الأدوات والبرهان

أداتان متكاملتان يستعملهما في هذا الفصل:

الأولى: التأسيس القرآني. يستدلّ بآيات الاعتبار والنظر وذمّ الجمود — قصّة البقرة وما فيها من ذمّ التوقّف عند التفاصيل دون استيعاب المقصد، وذمّ بني إسرائيل على ردّهم الاجتهاد بالمعنى الشرعي. يضع القرآن شاهدًا على أنّ الجمود عن التفكّر نقيصة دينية لا فضيلة.

الثانية: الاقتراح المؤسّسي. لا يكتفي بالمبدأ بل يضع آلية تنفيذية دقيقة: مجمع علمي يضمّ أكبر علماء كلّ الأقطار والمذاهب، مهمّته ثلاثية — يبسطون حاجات الأمّة، ويُصدرون مقرّرات توافقية، ويُعيّنون العلماء المؤهّلين للاجتهاد. وهو يتوقّع القبول العام: «لا أحسب أحدًا ينصرف عن اتّباعهم». هذا تفكير مؤسّسي غير مألوف في كتب الأصول التي تتوقّف عادةً عند تقرير المبدأ.

5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الأثر والموقع

مع التراث: القرافي أشار إلى خطورة انعدام المجتهدين: «لو لم يبق مجتهد واحد والعياذ بالله». ابن عاشور ينقل هذا من تحذير نظري مرعب إلى برنامج عملي. لم يقل «احذروا» بل قال بل وضع البرنامج التنفيذيّ. الانتقال من التشخيص إلى الوصفة هو بالضبط ما يغيّر قواعد اللعبة.

مع العصر: في سياق الإصلاح الذي عاشه ابن عاشور، كانت ساحة الفكر الإسلامي تتصارع فيها رؤيتان: فريق يريد إصلاحًا بلا مرجعية علمية منضبطة، وفريق يرفض الإصلاح باسم الإجماع القديم والمذاهب المدوّنة. الدعوة إلى مجمع فقهي دولي ترد الفريقين معًا: تُثبت أنّ الإصلاح ممكن ومطلوب (ردّ على الجامدين)، وأنّه مشروط بالعلم والمنهج (ردّ على العشوائيين).

6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية

ما بقي حيًّا: تحقّقت دعوته بإنشاء مجمع الفقه الإسلامي الدولي. الفصل الذي كُتب قبل عقود من تأسيسه يُقرأ اليوم كبيان تأسيسي مسبق. والنقاش حول توزيع مسؤولية الاجتهاد على العلماء والعامّة والأمراء ظلّ حيًّا وربما ازداد راهنيةً في زمن المؤسّسات الدينية الرسمية.

حدوده: الفصل مقتضَب جدًّا (4 صفحات) ولا يُفصّل شروط الاجتهاد الفردي ولا يضع آليات لحلّ الخلاف داخل المجمع حين يقع. كذلك ثقته بأنّه «لا أحسب أحدًا ينصرف عن اتّباعهم» مفرطة في التفاؤل — الواقع أثبت أنّ مقرّرات المجامع الفقهية لا تُلزم الدول ولا تنفذ تلقائيًّا في المنظومات القانونية. فالآلية وُجدت لكنّ النفاذ ظلّ مشكلة قائمة لم يُعالجها الفصل.

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «واجب الاجتهاد» (شاملة 1658–1661، ج3 ص393–396).