حين شرع ابن عاشور في تفسيره، كان أمام تراثٍ تفسيريٍّ هائل تراكم أكثر من ألف سنة. فكيف يضيف إليه دون أن يكرّره، ودون أن يهدمه؟ جوابه عن هذا السؤال هو مفتاح منهجه كلّه، وقد بدأ به مقدّمة كتابه. وفيما يلي عشر حركاتٍ كبرى ينتظم بها هذا المنهج، كما استخلصناها من مقدّماته العشر — دون أن يقابل كلُّ محورٍ مقدّمةً بعينها، فبعضها مستخلَصٌ من أكثر من مقدّمة.
1 — يقف موقف الحَكَم، لا الناقل ولا الهادم
يبدأ ابن عاشور بتشخيص موقف المفسّرين من تراث سابقيهم، فيرى أنّهم صنفان: «رجلٌ معتكفٌ فيما أشاده الأقدمون، وآخرُ آخذٌ بمِعوله في هدم ما مضت عليه القرون، وفي كلتا الحالتين ضررٌ كثير». ثمّ يعلن موقفه الثالث: «أن نعمد إلى ما شاده الأقدمون فنهذّبه ونزيده، وحاشا أن ننقضه أو نبيده». فلا تقديسَ للموروث ولا اجتثاثَ له، بل بناءٌ عليه بنقدٍ وإضافة.
ويترجم هذا الموقف إلى دورٍ محدّد يختاره لنفسه: «أن أقف موقف الحَكَم بين طوائف المفسّرين، تارةً لها وآونةً عليها». فهو لا يجمع الأقوال جمعًا كما تفعل أكثر التفاسير — وقد نقدها بصراحة: «التفاسير وإن كانت كثيرة فإنّك لا تجد الكثير منها إلا عالةً على كلام سابق، بحيث لا حظّ لمؤلّفه إلا الجمع» — بل يحاكم الأقوال ويرجّح بينها. وغايته المعلنة أن يُبدي «نُكتًا لم يرَ من سبقه إليها»، لأنّ الاقتصار على المكرور «تعطيلٌ لفيض القرآن الذي ما له من نفاد».
2 — يبدأ من الظاهر، ثمّ يرتقي إلى مستتبعات التراكيب
حدّد ابن عاشور للمفسّر ثلاث طرائق مترتّبة. الأولى وهي الأصل: «الاقتصار على الظاهر من المعنى الأصليّ للتركيب مع بيانه وإيضاحه». فالمعنى الظاهر هو الأساس الذي لا يجوز تجاوزه. الثانية: «استنباط معانٍ من وراء الظاهر تقتضيها دلالة اللفظ أو المقام، ولا يجافيها الاستعمال ولا مقصد القرآن» — وسمّاها «مستتبعات التراكيب»، وجعلها «من خصائص اللغة العربية المبحوث فيها في علم البلاغة». الثالثة: جلب المسائل العلمية لمناسبةٍ أو لتوقّف الفهم عليها.
وهذا الترتيب يكشف مكانة البلاغة في منهجه. فالمعاني الزائدة على الظاهر لا تُستخرج بالتخمين، بل بأدوات علم المعاني والبيان: دلالة التأكيد على إنكار المخاطب، وفحوى الخطاب، ودلالة الإشارة، واحتمال المجاز مع الحقيقة. فالبلاغة عنده ليست زينةً تُضاف بعد فهم المعنى، بل هي الأداة التي يُستخرج بها المعنى نفسه. ولهذا كان الزمخشري وابن عطية عنده «عِضادتَي الباب»: الأوّل لأنّ «مَنحى البلاغة والعربية به أخصّ»، والثاني لأنّ «مَنحى الشريعة على ابن عطية أغلب».
3 — يوظّف القراءات أداةً لإثراء المعنى
يخصّ ابن عاشور القراءات بمقدّمةٍ مستقلّة، ويقرّر فيها موقفًا دقيقًا يفسّر لماذا يعرض عن كثيرٍ منها في تفسيره. يميّز بين حالتين: قراءاتٌ «لا تعلّق لها بالتفسير» لأنّها في وجوه الأداء وحدها (كمقادير المدّ والإمالة والتسهيل)، وقراءاتٌ «لها تعلّق به» لأنّها في اختلاف الحروف والحركات الذي يغيّر المعنى. فالأولى شأنٌ صوتيّ يتركه لعلم القراءات، والثانية مادّةٌ تفسيرية.
وفي القراءات المؤثّرة يكشف قاعدةً بديعة: أنّ «اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن يُكثر المعاني في الآية الواحدة». فتعدّد القراءة ثروةٌ دلالية لا اضطراب. ومثاله قراءتا «يَصِدّون» و«يَصُدّون»: الأولى بمعنى صدّهم غيرهم عن الإيمان، والثانية بمعنى صدودهم في أنفسهم، «وكلا المعنيين حاصل». بل يلاحظ أنّ «ثبوت أحد اللفظين في قراءةٍ قد يبيّن المراد من نظيره في القراءة الأخرى». ومع هذا الانفتاح، يضبط القبول بشرطٍ صارم: «صحّة السند الذي تُروى به القراءة شرطٌ لا محيد عنه»، فردّ قراءةَ من حفظ من المصحف دون سماعٍ فأخطأ. وأجاز بيان ما تمتاز به قراءةٌ من جهة البلاغة أو مناسبة السياق، مع بقاء القراءات المتواترة جميعًا صحيحةً مقبولة؛ وتعقّب في ذلك ترجيحات الزمخشري: «في أكثر ما رجّح به نظرٌ سنذكره».
4 — يوازن بين طرفين: التوسيع المضبوط والتضييق المفرط
يظهر توازنه المنهجيّ في نقده لعالمين كبيرين، كلٌّ من زاوية مضادّة. نقد الشاطبي الذي ضيّق معاني القرآن حين قصرها على ما يفهمه العرب الأمّيّون، فردّ عليه بحججٍ متتابعة: أنّ عموم الدعوة يقتضي أن يكون في القرآن ما يصلح لأفهام «من يأتي في عصور انتشار العلوم»، وأنّ السلف قالوا «القرآن لا تنقضي عجائبه، ولو كان كما قال الشاطبي لانقضت»، وأنّ من تمام إعجازه أن يتضمّن من المعاني ما لم تفِ به «الأسفار المتكاثرة».
وفي المقابل نقد ابن العربي الذي أنكر التوفيق بين العلوم والقرآن «على عادته في تحقير الفلسفة». فابن عاشور يقف في المنتصف بوعي: يثبّت المعنى الأصليّ الذي فهمه المخاطبون الأوّلون حتى لا ينفلت النصّ، ويفتح بابَ المعاني المتجدّدة حتى لا يجمد. وحين ميّز ما وقف عنده السلف، فصّل: «إن كان فيما ليس راجعًا إلى مقاصده فنحن نساعد عليه، وإن كان فيما يرجع إليها فلا نسلّم وقوفهم عند ظواهر الآيات». توازنٌ يحفظ الأصل ويأذن بالنموّ.
5 — يفتح النصّ على العلوم، بضوابط تمنع الشطط
وتطبيقًا لهذا التوازن، يقرّر أنّ معاني القرآن لا تنحصر في فهم جيلٍ واحد: «الكلام الصادر عن علّام الغيوب لا تُبنى معانيه على فهم طائفةٍ واحدة، ولكن معانيه تطابق الحقائق؛ وكلّ ما كان من الحقيقة في علمٍ... فالحقيقة العلمية مرادةٌ بمقدار ما بلغت إليه أفهام البشر، وبمقدار ما ستبلغ إليه». ولا يعني ذلك عنده أنّ القرآن كتابُ علوم، أو أنّ كلّ مكتشفٍ حديث مستودَعٌ في ألفاظه — وهو ما يفارق خطاب «الإعجاز العلميّ» الشائع — بل إنّ اتّساع الدلالة القرآنية قد يسمح بفهمٍ يوافق حقائق تنكشف لاحقًا، بشرط أن يحتمله اللفظ والسياق، وألّا يتحوّل العلم إلى غرضٍ مستقلٍّ عن الهداية. ومن أمثلته أنّ آية «كي لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم» يُومئ معناها إلى «علم الاقتصاد السياسيّ وتوزيع الثروة».
ولم يترك هذا الانفتاح بلا لجام، بل قيّده بشروطٍ صارمة تمنع أن ينقلب إلى تأويلٍ باطنيّ: «أن لا يخرج عمّا يصلح له اللفظ عربية، ولا يبعد عن الظاهر إلا بدليل، ولا يكون تكلّفًا بيّنًا، ولا خروجًا عن المعنى الأصليّ». وأضاف شرطًا في العرض هو الإيجاز: «فلا يجلب إلا الخلاصة من ذلك العلم، ولا يصير الاستطراد كالغرض المقصود». وبهذا خالف الاستطرادَ المطوّل الذي أخذه على بعض التفاسير، وفي مقدّمتها تفسير الرازي، كما فارق التأويلَ الباطنيّ المنفصل عن ظاهر اللفظ. فالانفتاح عنده يبدأ من الظاهر ولا يهدمه.
6 — يعرض الرواية على الفحص، لا يتلقّاها بالتسليم
لا يتلقّى ابن عاشور المرويّات التفسيرية تلقّيًا، بل يعرضها على الفحص. في أسباب النزول، نبّه إلى الإفراط فيها، ونقل عن الواحدي قوله الحادّ: «أمّا اليوم فكلّ أحدٍ يخترع للآية سببًا». فميّز بين سبب النزول الذي يعين على الفهم، وما لا فائدة فيه. وفي الروايات المنسوبة إلى ابن عباس — وهو أشهر مفسّري الصحابة — لاحظ أنّها «اتّخذها الوضّاعون والمدلّسون ملجأً لتصحيح ما يروونه»، على عادة الناس في نسبة كلّ مجهولٍ إلى المشاهير.
وموقفه من الإسرائيليات جزءٌ من هذا الفحص: لاحظ أنّ كثيرًا من المفسّرين «شُغفوا بنقل القصص عن الإسرائيليات، فكثرت في كتبهم الموضوعات». فالرواية عنده تُعرض على صحّة النقل، ودلالة السياق، ومقدار الحاجة إليها في بيان الآية — لا تُقبل لشهرة قائلها ولا لكثرة ناقليها. وبهذا يجعل الرواية مادّةً للفحص، لا سلطةً تفرض معناها لمجرّد تداولها.
7 — يتأمّل القرآن في وحداته الكبرى: النظم والمناسبة
لا يقف ابن عاشور عند المفردة والتركيب، بل ينظر في وحدة السورة ونظمها. يقرّر أنّ ترتيب الآيات توقيفيّ، وأنّه من وجوه الإعجاز، حتى إنّه «لو غُيّر عنه إلى ترتيب آخر لنزل عن حدّ الإعجاز الذي امتاز به». وينظر في الفواصل بوصفها بنيةً مقصودة، فيعرّفها بأنّها الكلمات المتماثلة في أواخرها التي «تكرّر في السورة تكرّرًا يؤذن بأنّ تماثلها أو تقاربها مقصودٌ من النظم».
وأساس ذلك تصوّرٌ للإعجاز يقوم على مجموع النظم لا على المفردة. فمن أفانين البلاغة عنده «ما مرجعه إلى مجموع نظم الكلام وصوغه بسبب الغرض الذي سيق فيه: من فواتح الكلام وخواتمه، وانتقال الأغراض، والرجوع إلى الغرض، وفنون الفصل، والإيجاز والإطناب». ومن هنا يفسّر وقوع التحدّي بالإتيان بسورة: لأنّ جانبًا من البلاغة العليا لا يظهر في المفردة وحدها، بل في تناسب مجموع الكلام وصوغه. فالمفسّر عنده مطالَبٌ بأن يقرأ الآية في موقعها من سياقها ووحدتها، لا معزولةً عنه.
8 — يقرأ القرآن خطابًا متجدّد المناسبات
من أعمق ملاحظاته المنهجية أنّ القرآن «بالخطب والمواعظ أشبه منه بالتآليف» — لا أنّه ينفي عنه النظم والتأليف، بل يريد أنّه لا يجري على نسق الكتب البشرية المبوّبة. ومن هذا التصوّر العامّ لطبيعة القرآن خطابًا، يتحدّد فهمه الخاصّ لتكرار القصص. فقد حلّ به إشكالًا حيّر كثيرين: تكرار القصّة الواحدة في سورٍ عديدة، الذي «ربّما تطرّق به الهاجس ببعضهم إلى مناهج الإلحاد». فالتكرار عنده ليس عيبًا، بل مقتضى طبيعة الخطاب: «فوائد القصص تجتلبها المناسبات، فتُذكر القصّة كالبرهان على الغرض المسوقة معه». فكلّ ذكرٍ للقصّة يخدم غرض موضعه، فلا يكون تكرارًا. وبهذا يتعامل مع القرآن خطابًا حركيًّا يتنزّل منجَّمًا لمعالجة الواقع، لا كتابًا مؤلَّفًا دفعةً واحدة يُتكلّف فيه ربط أواخر السور بأوائل ما يليها.
ويتفرّع عن هذا المبدأ منهجه في القصص القرآنيّ. قرّر أنّها لم تُسَق «مساق الإحماض وتجديد النشاط»، بل لغاياتٍ عدّة، منها التربوية والتاريخية والحضارية — حتى إنّه جعل منها ما عبّر عنه بإنشاء «همّة السعي إلى سيادة العالم»، أي بعث الأمّة على القوّة والعمران والفاعلية الحضارية، وفق تصوّره لموقعها ورسالتها في العالم. وحلّل بنيتها البلاغية، فلاحظ فيها «طيّ ما يقتضيه الكلام»، وضرب له آية «واستبقا الباب» في قصّة يوسف، حيث طُوي ذكر أحداثٍ يدلّ عليها السياق. القصّة عنده نصٌّ بليغ محكم، لا حكايةٌ عابرة.
9 — يجعل غاية التفسير إصلاح الأمّة
لا يفصل ابن عاشور بين تفسير القرآن ومقاصده الكبرى. فغاية التفسير عنده أن يكشف ما في القرآن «من إرشادٍ وهدًى وآدابٍ وإصلاحِ حال الأمّة في جماعتها، وفي معاملتها مع الأمم التي تخالطها». وهذه الغاية امتدادٌ مباشر لعنايته المقاصدية بإصلاح نظام الأمّة. فالتفسير والمقاصد عنده ينتظمان في غايةٍ جامعة هي إصلاح نظام الأمّة: الأوّل يقرأ النصّ، والثاني يستخرج غاياته، وكلاهما يخدم إصلاح الاجتماع.
ولهذا كان يبحث في القرآن عن «كلّيات من التشريع، وتفاصيل من مكارم الأخلاق»، لا عن معاني الألفاظ فحسب. فالمفسّر عنده ليس شارحًا للغةٍ فقط، بل مستخرجٌ لهدايةٍ عملية. وبهذا يلتقي منهجه التفسيريّ بمنهجه المقاصديّ في غايةٍ واحدة: أن تُقرأ النصوص بوصفها نظامًا لإصلاح الفرد والأمّة، لا مجرّد ألفاظٍ تُشرَح.
10 — يبني خريطةً وظيفية لمصادره
لم يكن ابن عاشور انتقائيًّا بلا معيار، بل رتّب مصادره على وظائف. جعل عمدته الكشّاف للزمخشري في البلاغة، والمحرّر الوجيز لابن عطية في الشريعة، وعدّهما «مرجعَ من بعدهما من أولي الألباب». وأفاد من الرازي في سعة المسائل العلمية، ومن تفاسير الأحكام في الفقه، ومن الطبري في المأثور. فكلّ تفسيرٍ يؤدّي عنده وظيفةً محدّدة، يأخذ منه ما أتقنه ويترك ما سواه.
وهذه الخريطة الوظيفية تكمّل موقفه العامّ من التراث. فإن كان المحور الأوّل قد بيّن أنّه حَكَمٌ لا ناقل، فهذا المحور يكشف كيف يوزّع ثقته على المصادر بحسب ما تُتقنه. ولم يكن هذا التوزيع تقليدًا، بل نقدًا مصحوبًا باختيار: فقد أعلن أنّه سيتعقّب ترجيحات الزمخشري، «وفي أكثر ما رجّح به نظرٌ سنذكره في مواضعه». يأخذ من الكشّاف بلاغته، ومن ابن عطية فقهه، ومن الرازي سعته — ثمّ يهذّب ويزيد ويحاكم.
المنهج على محكّ النصّ
كلّ ما تقدّم مستخلَصٌ من المقدّمات، أي من تصريح ابن عاشور بمنهجه. ويبقى السؤال: هل التزم به حين فسّر فعلًا؟ لاختبار ذلك ننزل من المقدّمات إلى التطبيق، ونأخذ من تفسيره لسورة البقرة خمسة مواضع، كلٌّ منها يُظهر حركةً من الحركات السابقة وهي تعمل في النصّ لا في التنظير.
في آية الحجّ «حتى يبلغ الهديُ محلَّه»، يستنبط ابن عاشور استمرار حكم الإحرام في بقية المناسك «بدلالة القياس والسياق»، ثمّ يضبط الأداة بدقّةٍ فيقول: «وهذا من مستتبعات التراكيب، وليس بكناية عن الإحلال، لعدم وضوح الملازمة». فهو لا يكتفي بتطبيق أداته، بل يبيّن حدّها — تمييزًا بين المستتبَع والكناية.
في آية القبلة، يعرض قراءتين: «قراءة الجمهور موليها بياء بعد اللام»، و«قرأه ابن عامر مولاها بألف بعد اللام، بصيغة ما لم يُسمَّ فاعله». فالأولى تجعل المصلّي هو المولّي وجهَه، والثانية تجعله مولًّى إليها. تطبيقٌ حيٌّ لقاعدته أنّ اختلاف القراءات يُكثر المعاني في الآية الواحدة.
في آية «إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا»، ينقل قول المفسّرين إنّها «نزلت في علماء اليهود» في كتمهم صفات النبيّ. ولو أخذ بذلك لخصّ الآية بهم. لكنّه يعلن استقلاله: «وأنا أرى أن يكون اسم الموصول» على عمومه لا على العهد. فطبّق مبدأه المعلن في عرض الرواية على الفحص، ومنعِ السبب من حبس دلالة النصّ.
حين وقعت آية الدعاء «وإذا سألك عبادي عنّي» بين آيات الصيام، ذهب بعضهم إلى أنّها جملةٌ معترضة. فردّ ابن عاشور مثبتًا وحدة النظم: «فقد ظهر وجه اتصال الآية بالآيات قبلها، ومناسبتها لهنّ، وارتباطها بهنّ، من غير أن يكون هنالك اعتراض جملة». قراءةٌ للآية في وحدتها الكبرى، لا معزولةً.
عند آية «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل»، لا يقف عند تحريم الفعل المفرد، بل يصله بمنظومةٍ من صور أكل المال بالباطل — الربا، ورشوة الحكّام، وبيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها — كاشفًا مقصدًا جامعًا هو حفظ التعامل العادل. تنزيلٌ لغاية إصلاح نظام الأمّة في تفصيل الأحكام.
هذه المواضع الخمسة — وهي غيضٌ من فيض تفسيرٍ يمتدّ ثلاثين مجلّدًا — تكفي للدلالة على أنّ منهج المقدّمات ليس دعوى نظرية، بل ممارسةٌ متّسقة. فالحَكَم بين المفسّرين في المقدّمة هو الحَكَم في تفسير البقرة، ومستتبعات التراكيب التي نظّر لها هي التي يطبّقها بالاسم. على أنّ استيفاء هذا الاختبار في كلّ سور القرآن بابٌ يتّسع لدراساتٍ أخرى.
خاتمة: وحدة العقل في المقاصد والتفسير
يتبيّن أنّ منهج ابن عاشور في التفسير يلتقي بمنهجه في المقاصد في بنيةٍ عقلية واحدة، وإن اختلفت الأدوات باختلاف الميدان. الموقف نفسه من التراث (الحَكَم لا الناقل)، والتوازن نفسه بين طرفين (التوسيع والتضييق)، والانضباط نفسه (الانفتاح المحكوم بدلالة الظاهر كالانضباط بضوابط المقصد)، والغاية نفسها (إصلاح الأمّة). فالرجل الذي قرأ الشريعة بمقاصدها هو نفسه الذي قرأ القرآن ببلاغته وغاياته. عقلٌ واحدٌ يعمل في الكتابين، لا يقرأ النصّ إلا بوصفه هدايةً حيّة، ولا يتعامل مع التراث إلا بوصفه أساسًا يُستأنف، لا سقفًا يُقلَّد.
هذا مقالٌ ضمن قسم «الفكر والمنهج». ويقابله مقالٌ آخر في منهج ابن عاشور في المقاصد من خلال «مقاصد الشريعة».