حياةٌ بوصفها مشروعًا

السيرة

لا تُقرأ حياة ابن عاشور سردًا للتواريخ، بل بوصفها مشروعًا فكريًّا متّصلًا. أربعة أسئلةٍ تكشف الرجل أعمق ممّا تكشفه المحطّات: كيف تكوّن؟ ولماذا اختار الإصلاح؟ وما ثمن مواقفه؟ وكيف صارت حياته العملية مادّةً لفكره؟

محطّاتٌ مرجعية
  1. 1879 مولده بضاحية المرسى قرب تونس، في أسرةٍ أندلسية الأصل عريقة في العلم والقضاء.
  2. 1893 التحاقه بجامع الزيتونة طالبًا، بعد حفظ القرآن ومبادئ العربية.
  3. 1900 اختياره للتدريس في المدرسة الصادقية، فجمع بين التعليمين التقليدي والعصري.
  4. 1903 لقاؤه بمحمد عبده في زيارته الثانية لتونس، الذي سمّاه «سفير الدعوة» في الزيتونة.
  5. 1907 تعيينه نائبًا أوّل في النظارة العلمية بالزيتونة، فبدأ مشروعه الإصلاحي.
  6. 1911 دخوله سلك القضاء عضوًا بالمحكمة العقارية.
  7. 1932 توليه مشيخة الجامع الأعظم، وأوّل من جمع لقب «شيخ الإسلام المالكي».
  8. 1945 عودته إلى مشيخة الزيتونة، وقيادته نهضةً تعليمية رفعت عدد الطلبة.
  9. 1956 تعيينه عميدًا للكلية الزيتونية بعد الاستقلال.
  10. 1960 إحالته على التقاعد إثر خلافه مع بورقيبة حول الفطر في رمضان.
  11. 1973 وفاته في 12 أغسطس، بعد حياةٍ قاربت القرن من العلم والإصلاح.
01

رجلٌ بين عالَمين

وُلد محمد الطاهر بن عاشور سنة 1879 بضاحية المرسى قرب تونس، في أسرةٍ أندلسية الأصل استقرّت في تونس بعد محاكم التفتيش، ونبغ منها عددٌ من علماء الزيتونة. وكان جدّه الذي حمل اسمه — محمد الطاهر بن عاشور الأكبر (ت 1868) — قد تولّى القضاء والإفتاء ونظارة بيت المال. فنشأ الحفيد في بيتٍ العلم فيه صنعةٌ متوارثة، وتلقّى عن كبار شيوخ تونس، منهم الشيخ عبد القادر التميمي الذي أخذ عنه القراءات والتجويد.

لكنّ ما شكّل عقله لم يكن الزيتونة وحدها. فبعد التحاقه بها طالبًا سنة 1893، اختير سنة 1900 للتدريس في المدرسة الصادقية ذات التعليم العصري. وهذا الجمع المبكّر بين مؤسّستين متقابلتين — الزيتونة بمنهجها التقليدي، والصادقية بتعليمها الحديث — هو الذي فتح وعيه على ضرورة ردم الهوّة بين تيّار الأصالة وتيّار المعاصرة. ومن هذه التجربة بالذات وُلدت لاحقًا رؤيته الإصلاحية التي دوّنها في «أليس الصبح بقريب؟».

من هذا التقاطع بين الزيتوني التقليدي والصادقي الحديث، لا من أحدهما وحده، وُلد مشروعه كلّه.

وشكّلت زيارة محمد عبده الثانية لتونس سنة 1903 محطّةً مفصلية: التقى الرجلان، وتوطّدت صلتهما لتقارب رؤاهما الإصلاحية، حتى لقّبه عبده بـ«سفير الدعوة في جامع الزيتونة». وربطته علاقةٌ وثيقة برشيد رضا، فنشر له في مجلّة «المنار» مقالاتٍ عدّة. ومع ذلك، فمن الخطأ قراءة ابن عاشور تلميذًا تابعًا للمدرسة المصرية؛ الأدقّ أنّه حاورها من موقعٍ مستقلّ، فأخذ منها روح التجديد واحتفظ برسوخه الأصوليّ المالكيّ وبنَفَسٍ منهجيٍّ خاصّ أثمر في المقاصد.

02

لماذا الإصلاح لا القطيعة؟

واجه ابن عاشور خيارين حادّين في زمنه: جمودٌ يرفض كلّ تغيير باسم حفظ التراث، وقطيعةٌ تدعو إلى تجاوزه كلّه باسم الحداثة. ورفض الطرفين، واختار التجديد من الداخل. ولم يكن هذا موقفًا وسطيًّا رخوًا، بل موقفًا مؤسَّسًا: رأى أنّ الجمود يُعطّل قدرة الدين على مخاطبة كلّ عصر، وأنّ القطيعة تجتثّ المجتمع من جذوره.

وتجلّى هذا الاختيار في معركته الكبرى: إعادة فتح باب الاجتهاد. فقد رفض ما ردّده بعض الفقهاء من أنّ باب الاجتهاد أُغلق بعد القرن الخامس الهجري، ورأى أنّ ارتهان المسلمين لهذه النظرة الجامدة أصابهم بالتكاسل وتعطيل العقل. وربط ذلك بتشخيصٍ دقيق: أنّ الخلل في علم أصول الفقه نفسه هو سبب تخلّي العلماء عن الاجتهاد — وهي الفكرة التي ستصير أساس مشروعه في «مقاصد الشريعة».

هنا تتّضح مركزية المقاصد في مشروعه: فهي الأداة التي تتيح التجديد دون قطيعة، إذ يميّز بها المُصلح بين الغاية الثابتة والوسيلة المتغيّرة. ولذلك لم يكن إصلاحه في التعليم واللغة والفقه فصولًا منفصلة، بل تطبيقاتٍ لرؤيةٍ واحدة: أنّ الأصالة الحقيقية هي القدرة على التجدّد.

03

ثمن الموقف

لم تكن مواقف ابن عاشور بطولاتٍ منفصلة، بل سلسلة اختباراتٍ دفع ثمنها من موقعه ومن راحته. اثنان منها يكشفان الرجل أكثر من سواهما.

محنة التجنيس

أصدر الاستعمار الفرنسي سنة 1910 قانون التجنيس، يتيح للتونسيين أخذ الجنسية الفرنسية. وتصدّى الوطنيون له، فمُنع المتجنّس من الدفن في المقابر الإسلامية. وكان ابن عاشور يرأس المجلس الشرعي لعلماء المالكية، فأفتى المجلس بأنّ على المتجنّس أن يحضر أمام القاضي الشرعي وينطق بالشهادتين ويتخلّى عن جنسيته المكتسبة. عارض الاستعمار الفتوى وحجبها، وبدأت حملةٌ لتشويه سمعته. ولم تكن محنةً عابرة، بل امتدّت نحو ثلاثة عقود صبر خلالها محتسبًا.

مواجهة بورقيبة

سنة 1961، دعا الرئيس الحبيب بورقيبة العمّال إلى الفطر في رمضان — وقد جاء في الصيف — بذريعة زيادة الإنتاج، وأراد غطاءً شرعيًّا يُذاع من شيخ الزيتونة. فرفض ابن عاشور رفضًا قاطعًا، وأكّد حرمة الفطر بلا عذر. وحين سُئل عن سبب قبوله الظهور في الإذاعة أصلًا، أجاب بما يكشف دافعه العميق: «خشيتُ أن يأتوا بغيري فيُضلّ الشعب بفتوى تُغضب الله». وكان ثمن الموقف إحالته على التقاعد سنة 1960 من منصبه، وتغييبه عن المشهد.

تنبيهٌ منهجيّ: تُروى على لسانه في هذه الواقعة عبارةٌ شهيرة هي «صدق الله وكذب بورقيبة». والثابت المتّفق عليه هو رفضه الفتوى وتصريحه بحرمة الفطر. أمّا العبارة الحرفية فمختلَفٌ في ثبوتها؛ إذ لا أثر لها في التسجيل الإذاعي، ويرجّح بعض المؤرّخين أنّه قالها خارج البثّ فشاعت لاحقًا. نُثبت الموقف، ونروي العبارة بوصفها روايةً لا يقينًا.

04

الرجل خلف المؤلفات

لا ينفصل ابن عاشور المؤلِّف عن ابن عاشور القاضي والمفتي والمُصلح. فمواقعه العملية لم تكن وظائف إلى جانب فكره، بل كانت المختبر الذي تشكّل فيه هذا الفكر. وتسلسل مناصبه يكشف ذلك: نائبٌ أوّل في النظارة العلمية بالزيتونة (1907)، عضوٌ بالمحكمة العقارية (1911)، قاضٍ مالكيّ (1913)، باش مفتي المالكية (1927)، ثمّ شيخ الإسلام المالكي (1932) — أوّل من تولّاه من المالكية — فشيخٌ للجامع الأعظم.

وفي كلّ موقعٍ اصطدم بأسئلةٍ عملية: كيف يُنزَّل الحكم على واقعٍ متغيّر؟ وكيف يُصلَح تعليمٌ تكلّس؟ فشارك في لجنتَي إصلاح التعليم (1910 و1924)، وقاد بعد عودته للمشيخة سنة 1945 نهضةً رفعت عدد الطلبة. ومن هذه الأسئلة الحيّة، لا من التأمّل النظري وحده، وُلدت كتبه.

فكتابه «أليس الصبح بقريب؟» ثمرة صدامه بجمود المناهج من موقع المسؤولية. و«مقاصد الشريعة» تبلور من ممارسته الإفتاء والقضاء، حيث تتكشّف حاجة الفقيه إلى أصلٍ حاكمٍ يرتفع به الخلاف. و«التحرير والتنوير»، ثمرة نحو أربعين سنة، حصيلة عمرٍ من التدريس والتأمّل في النصّ. وقد امتدّ أثره في أسرته، فكان ابنه الفاضل بن عاشور من أعلام الإصلاح والفكر في تونس.

وبعد الاستقلال، عُيّن عميدًا للكلية الزيتونية سنة 1956، وظلّ مرجعًا حتى وفاته في 12 أغسطس 1973. ترك مشروعًا لا يزال يُقرأ ويُبنى عليه في المقاصد والتفسير وإصلاح التعليم. وهذا الموقع محاولةٌ لقراءته من الداخل، كتابًا كتابًا، بالعمق الذي يستحقّه.