مقاصد الشريعة
في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية» (تونس، مطبعة الاستقامة، 1946)، أخرج ابن عاشور المقاصد من كونها مبحثًا تابعًا لأصول الفقه إلى علمٍ مستقلٍّ قائمٍ بذاته، له موضوعه وقواعده. وهذه الصفحة مدخلٌ موجز إلى هذا الإسهام: ما المشكلة التي عالجها، وما الذي أضافه، وأين يقف من تاريخ هذا العلم.
المشكلة التي عالجها
انطلق ابن عاشور من عقدةٍ عمليّة عاناها قاضيًا ومفتيًا: أنّ الفقهاء حين يختلفون لا ينتهون إلى دليلٍ قاطعٍ يحسم الخلاف، بخلاف أهل العلوم العقلية. وشخّص السبب في أنّ أصول الفقه — وهو العلم الذي يُفترض أن يضبط الاستنباط — قامت أكثر مسائله على الظنّ لا القطع. فرأى أنّ المخرج علمٌ آخر مرجعُه غايات الشريعة القطعية، لا ألفاظها المتنازَع في دلالتها. من هذه الحاجة وُلد الكتاب.
ما الذي أضافه
لم يبتكر ابن عاشور فكرة المقاصد — فهي قديمةٌ في الفقه وأصوله — لكنّه نقلها نقلةً نوعية في أربعة وجوه:
أفردها علمًا مستقلًّا
دعا إلى تدوين المقاصد علمًا له موضوعه وقواعده، لا فصلًا تابعًا لأصول الفقه. فنقلها من الهامش إلى صلب النظر التشريعيّ.
جعل المقصد الأعلى اجتماعيًّا
قرّر أنّ المقصد الأعلى هو «حفظ نظام الأمّة واستدامة صلاحه» — نقلةٌ من التصنيف الفرديّ المعروف (حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال) إلى بُعدٍ اجتماعيٍّ جامع.
سعى إلى مقاصد قطعية
ميّز المقاصد القطعية الكلّية التي تصلح مرجعًا يحسم الخلاف، وجعل الكلّيّ حاكمًا على فهم الجزئيّ — علاجًا للمشكلة التي بدأ منها.
خصّ مقاصد المعاملات
وجّه بحثه إلى مقاصد المعاملات — لا العبادات — لأنّها ميدان النوازل المتجدّدة، وهي «الجديرة بأن تخصّ باسم الشريعة».
إنّ صلاح نظام الأمّة هو المقصد الأعلى الذي قصد الشارع تحصيله بأحكام الشريعة.
القواعد الكبرى التي بنى عليها
يقوم بناء المقاصد عنده على قواعد كبرى تسري في كلّ الأحكام: أنّ الشريعة دين الفطرة فأحكامها تلائم الجبلّة السليمة؛ وأنّها قائمةٌ على السماحة ورفع الحرج؛ وأنّ أصلها المساواة بين المكلّفين والحرية في التصرّف؛ وأنّ ميزانها المصلحة بضوابطها. وقد فصّل هذه القواعد وتنزيلها في أنواع المعاملات — العائلة والمال والقضاء والعقوبات — تفصيلًا يجعل الكتاب نظامًا متماسكًا لا مسائل متفرّقة.
أين يقف من تاريخ المقاصد
سبقه إلى النظر في المقاصد أئمّةٌ كبار: الجويني والغزالي في تصنيف الضروريات ومراتبها، والعزّ بن عبد السلام والقرافي في ترجيح المصالح وتمييز الحقوق، والشاطبي الذي أفرد المقاصد أوّل إفرادٍ بالتدوين في «الموافقات». وقد أنصفهم ابن عاشور ونقدهم معًا، ولخّص موقعه منهم في عبارته عن الشاطبي: «أقتفي آثاره، ولا أهمل مهمّاتِه، ولكن لا أقصد نقله ولا اختصاره». ثمّ امتدّ أثره فيمن بعده، من علال الفاسي إلى الدراسات المقاصدية المعاصرة.