إثبات المقاصد وطرق إثباتها
هذا القسم هو الأساس النظري الذي يقوم عليه الكتاب كلّه. قبل أن يتحدّث ابن عاشور عن المصلحة أو السماحة أو المساواة، يحتاج إلى تأسيس ثلاثة أمور: أنّ للشريعة مقاصد أصلًا (ليست أحكامًا تعبّدية صرفة)، وأنّ الفقيه يحتاج إلى معرفتها (ليست ترفًا نظريًّا)، وأنّ هناك طريقًا منهجيًّا لإثباتها (ليست ادّعاءات ذاتية). الطريق الذي يبنيه هو الاستقراء — تتبّع مجموع الأحكام وعللها حتى تتبلور منها مقاصد قطعية. وهذا هو ما يميّز علم المقاصد عن أصول الفقه : الأصول تشتغل بالنصّ المفرد، والمقاصد تشتغل بالمجموع.
فيما يلي تشريحٌ للقسم في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.
1 لماذا وُلد هذا القسم؟ المشكلة والبنية
ابن عاشور يعلم أنّ ادّعاء «علم جديد» يحتاج إلى تأسيس إبستمولوجي صارم. لا يكفي أن تقول «للشريعة مقاصد» — يجب أن تُثبت ذلك بأدلّة قطعية، وأن تُبيّن لماذا يحتاج الفقيه إلى هذا العلم (أي أنّ أصول الفقه وحدها لا تكفيه)، وأن تضع طريقًا منهجيًّا يُنتج هذه المقاصد بطريقة توافقية لا ذاتية.
بنية القسم من 8 فصول تتدرّج منطقيًّا: (أ) إثبات أنّ للشريعة مقاصد، (ب) إثبات حاجة الفقيه إليها، (ج) طرق إثباتها (الاستقراء)، (د) طريقة السلف في الرجوع إليها، (هـ) إثبات أنّ الأدلة اللفظية لا تستغني عنها، (و) انتصاب الشارع للتشريع، (ز) مراتب المقاصد: قطعية وظنية، (ح) تعليل الأحكام والتعبّدي. كلّ فصل يسدّ اعتراضًا محتملًا: من ينكر وجودها، من يراها غير ضرورية، من يشكّ في إمكان إثباتها، من يقول إنّ السلف لم يحتاجوها، من يكتفي بالظواهر اللفظية.
2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم القسم
الاستقراء — لا النصّ المفرد — هو طريق العلم بالمقاصد. هذا الخيط ينتظم القسم كلّه. يقوله ابن عاشور بوضوح حين يعرض طرق الإثبات: «الطريق الأوّل وهو أعظمها: استقراء الشريعة في تصرّفاتها». ثمّ يشرح: حين نستقرئ أحكامًا كثيرة ونجد عللها متماثلة — أي تدور حول حكمة واحدة — نستخلص من مجموعها مقصدًا كلّيًّا، «كما يُستنتَج من استقراء الجزئيات تحصيلُ مفهومٍ كلّيّ حسب قواعد المنطق».
وهذا يفسّر لماذا لم ينجح أصول الفقه في تأسيس المقاصد: الأصول تتعامل مع النصّ الواحد — تستنبط حكمًا من آية أو حديث. لكنّ المقاصد لا تُستنبَط من نصّ واحد بل من مجموع. «لسنا بسبيل أن نستدلّ على إثبات المقاصد بالأدلّة المتعارفة التي ألفنا الخوض فيها في أصول الفقه» — لأنّ النصّ المفرد ظنّي الدلالة غالبًا، بينما مجموع النصوص حين يتواتر معناها يُفيد القطع.
3 السؤال والقطيعة الإشكالية المؤسِّسة
السؤال المؤسّس للقسم: كيف نُثبت مقصدًا شرعيًّا بدرجة من اليقين تجعله حَكَمًا عند الاختلاف، علمًا بأنّ الأدلّة النصّية الجزئية لا تُفيد القطع إلا نادرًا؟
الموقف السائد: الأصوليّون يعتمدون النصّ — قرآنًا أو سنّة — مصدرًا للأحكام ويستنبطون العلل بمسالك معروفة (النصّ، الإيماء، المناسبة). لكنّهم يفعلون ذلك حكمًا حكمًا. ولم يضع أحدٌ قبل ابن عاشور منهجًا كاملًا لاستخراج «مقاصد كلّية» من مجموع الأحكام بطريق يُفيد القطع أو قريبه. الشاطبي أشار إلى الاستقراء في الموافقات، لكنّ ابن عاشور يُفصّله ويُنظّمه.
ما فعله ابن عاشور: بنى منهجًا من ثلاث طرق: (1) استقراء العلل — تتبّع أحكام كثيرة معروفة العلل حتى تتجمّع عللها في حكمة واحدة. (2) استقراء أدلّة اشتركت في علّة واحدة. (3) أدلّة قرآنية ذات دلالة قريبة من النصّ على مقاصد بعينها. والاستقراء عنده يُنتج قطعًا — لأنّ تواتر المعنى عبر جزئيات كثيرة يُفيد ما يُفيده التواتر اللفظي.
4 كيف يعمل عقله هنا؟ الأدوات المنهجية
يتجلّى في هذا القسم أربع أدوات:
الأولى: تصنيف أنحاء تصرّف المجتهد. يبدأ بتقسيم عمل الفقيه إلى خمسة أنحاء: فهم الأقوال، البحث عن المعارض، القياس، إعطاء حكم لما لا نظير له، وتلقّي ما لم تُعرف علّته (التعبّدي). ثمّ يُثبت أنّ المقاصد مطلوبة في الأنحاء كلّها — ليس في النحو الرابع فقط كما قد يُظنّ.
الثانية: التمثيل الاجتهادي الحيّ. لا يُنظّر مجرّدًا بل يُريك الاستقراء يعمل: يأخذ تحريم المزابنة (الجهل بأحد العوضين)، والنهي عن بيع الجزاف بالمكيل، وإباحة القيام بالغبن (نفي الخديعة) — ثلاثة أحكام مختلفة بعلل مختلفة — ويستخلص منها مقصدًا واحدًا: «إبطال الغرر في المعاوضات». هذا تطبيق عمليّ للاستقراء بالضبط.
الثالثة: الاستشهاد بسلوك الصحابة. يُبرهن على أنّ المقاصد ليست اختراعًا متأخّرًا بل يجدها في تصرّفات عمر وعائشة وابن عمر. عمر رفض خبر فاطمة بنت قيس لمخالفته مقصدًا شرعيًّا عنده. عائشة ردّت حديث «الميت يعذَّب» بالقرآن. هذا يُثبت أنّ السلف مارسوا المقاصد فعليًّا وإن لم يُسمّوها.
الرابعة: التدريج المعرفي. يميّز بين مقاصد قطعية (حفظ النفس، حفظ المال) وظنّية (تفاصيل المعاملات)، ويجعل القطعية ملجأً «نلجأ إليه عند الاختلاف والمكابرة». بهذا لا يدّعي أنّ كلّ مقصد قطعيّ، بل يبني هرمًا معرفيًّا.
5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الأثر والموقع
مع التراث: يحاور تراثين. الأوّل: أصول الفقه التقليدي — يعترف بقيمته لكنّه يُبيّن حدوده: «لسنا بسبيل أن نستدلّ على إثبات المقاصد بالأدلّة المتعارفة». الثاني: الشاطبي الذي أشار إلى الاستقراء لكنّ ابن عاشور يحاكم محاولته إثبات قطعية أصول الفقه ويقول إنّه «لم يأتِ بطائل». ثمّ يمضي حيث توقّف الشاطبي: ينقل الاستقراء من ملاحظة عابرة إلى منهج مرتّب بأنواع وأمثلة وشروط.
ويبني حجّة حاسمة على حاجة الفقيه إلى المقاصد بإثبات أنّ أصول الفقه — رغم كونه أداة لا غنى عنها — نشأ خادمًا للمذاهب لا حَكَمًا بينها. فالفقيه الذي يقتصر عليه يبقى أسير الخلاف، والمقاصد وحدها تمنحه أرضية توافقية.
مع العصر: القسم يُجيب عن اعتراض مزدوج كان حيًّا في عصره. المحافظون يقولون: الاجتهاد المقاصدي بدعة لم يعرفها السلف. فيُثبت ابن عاشور أنّ عمر وعائشة مارساه. والمتحرّرون يقولون: نأخذ بالمصلحة دون ضابط. فيُثبت أنّ المقصد لا يُثبَت بالهوى بل بالاستقراء الذي يُفيد القطع.
6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية
ما بقي حيًّا: المنهج الاستقرائي صار أساسًا لكلّ عمل مقاصدي لاحق. لم يعد أحدٌ يدّعي مقصدًا شرعيًّا من نصّ واحد بعد ابن عاشور — صار مطلوبًا من الباحث أن يُثبت التواتر المعنوي عبر جزئيات متعدّدة. وتصنيف المقاصد إلى قطعية وظنّية أعطى مرونة: القطعيّ لا يُناقَش (حفظ النفس)، والظنّي يقبل الاجتهاد. هذا حمى المشروع من التصلّب ومن التسيّب معًا.
كذلك إثبات أنّ التعليل هو الأصل والتعبّد هو الاستثناء — هذا فتح باب النظر المقاصدي في كلّ أحكام المعاملات ولم يبقَ مغلقًا إلا في العبادات المحضة.
حدوده: الاستقراء نفسه يبقى أداة ذاتية التطبيق إلى حدّ ما. من يستقرئ؟ وكم جزئيّة تكفي لاستنتاج مقصد «قطعي»؟ ابن عاشور لا يضع عتبة كمّية — يقول «أدلّة كثيرة» و«استقراء الشريعة في تصرّفاتها» دون تحديد عدد. وهذا يفتح الباب لخلافٍ في تطبيق المنهج نفسه: قد يرى باحثٌ أنّ 5 جزئيات تكفي لقطعية مقصد، ويرى آخر أنّها لا تكفي. فالمنهج يقلّل الخلاف لكنّه لا يلغيه — ينقله من مستوى الحكم الجزئي إلى مستوى تقدير الاستقراء.
كذلك اعتماده على السنّة بكثافة (أخبار آحاد) في الأمثلة يُضعف ادّعاء القطعية — إذ هو نفسه أقرّ بأنّ أخبار الآحاد «لا تُفيد القطع». فكيف يُنتج من ظنّيات قطعًا؟ جوابه النظري (تواتر المعنى) متماسك، لكنّ تطبيقه العملي يبقى محلّ نظر.
جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: القسم الأول إثبات المقاصد واحتياج الفقيه إليها وطرق إثباتها (شاملة 1301–1428، ج3 ص33–163).