قراءة تحليلية · القسم الثالث من مقاصد الشريعة

الأبدان والقضاء والعقوبات

عمل الأبدان والتبرعات والقضاء والعقوبات · صفحات 1756–1818

4أبواب
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

يختم ابن عاشور القسم الثالث بأربعة أبواب متكاملة تحفظ نظام المعاملات. في عمل الأبدان يجعل مقصد الشريعة الحياطة لجانب العَمَلة — حماية الأضعف من إجحاف صاحب المال. وفي التبرّعات يحفظ المواساة مع صون المتبرّع من الندامة. وفي القضاء يجعل المقصد إبلاغ الحقوق إلى أصحابها. وفي العقوبات يقرّر أنّها إصلاحٌ لا نكاية، مقاصدها ثلاثة: تأديب الجاني، وإرضاء المجنيّ عليه، وزجر المقتدي. والخيط الجامع أنّ كلّ هذه الأبواب تحمي النظام العامّ وتحفظ الضعيف.

فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها

بعد أن أسّس ابن عاشور مقاصد المال، ينتقل إلى ما يحفظ دورة المعاملات ويحميها من الاختلال. فالعمل ركنٌ من أركان الثروة: «الثروة تتقوّم من المتموّلات ومن العمل، فالعمل أحد أركان الثروة وآلة استخدام ركنيها الآخرين». ثمّ لا بدّ لهذه الدورة من جهازٍ يفصل خصوماتها (القضاء) وآخر يردع المعتدين عليها (العقوبات).

والمشكلة الجامعة التي تعالجها هذه الأبواب: كيف تُحفظ حقوق الأطراف الضعيفة في منظومة المعاملات؟ العامل المحتاج أمام صاحب المال، والمتخاصم أمام القضاء، والمجنيّ عليه أمام الجاني. فالفصل كلّه يدور حول حماية من قد يُبخس حقّه لولا تدخّل الشريعة.

2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل

الخيط الحاكم هو حماية الطرف الأضعف وحفظ النظام العامّ. يتجلّى هذا أوضح ما يكون في عمل الأبدان. يلاحظ ابن عاشور أنّ العَمَلة «مظنّة الحرص على التعجّل بانعقاد هذه العقود من جراء حاجتهم إلى الارتزاق»، وأنّ أصحاب الأموال قد يستغلّون هذه الحاجة. فيقرّر أنّ «مقصد الشريعة في هذه المعاقدات كلّها الحياطة لجانب العَمَلة، لسدّ هذه الذريعة عنهم، كيلا يذهب عملهم باطلًا أو مغبونًا».

ويوازن بدقّةٍ لئلّا يُفهم منه ظلم أصحاب الأموال، فيوضّح: أنّ الشريعة لا تستبيح أموالهم، بل «أرادت حراسة حقوقهم من الاعتداء عليها، فذلك عدلٌ وصلاحٌ للفريقين». وهذا الخيط نفسه — حماية الضعيف مع حفظ التوازن — يسري في التبرّعات (صون المتبرّع من الندامة)، وفي القضاء (إبلاغ الحقّ لطالبه)، وفي العقوبات (إرضاء المجنيّ عليه ومنع تسلسل الثأر).

3 السؤال الذي يطارد ابن عاشور الإشكالية والقطيعة مع السائد

في باب العقوبات يواجه ابن عاشور سؤالًا حادًّا: هل العقوبة انتقامٌ ونكايةٌ بالجاني، أم أنّها شيءٌ آخر؟

القطيعة مع تصوّر العقوبة نكايةً: يربط ابن عاشور هذا الباب بمبحثٍ سابق له عنوانه «ليست الشريعة بنكاية»، ويقرّر أنّ «الزواجر والعقوبات والحدود ما هي إلّا إصلاحٌ لحال الناس». فالعقوبة ليست تشفّيًا، بل أداةٌ لحفظ النظام: «لا يُحفظ نظامها إلّا بسدّ ثلمات الهرج والفتن والاعتداء».

وبماذا استبدله: يعيّن للعقوبة ثلاثة مقاصد محدّدة: «تأديب الجاني، وإرضاء المجنيّ عليه، وزجر المقتدي بالجُناة». والتأديب مقصده إصلاح الجاني نفسه، إذ «بإقامة العقوبة على الجاني يزول من نفسه الخبث الذي بعثه على الجناية». وإرضاء المجنيّ عليه مقصده قطع تسلسل الثأر الجاهليّ، لأنّ الانتقام الفرديّ «لا يكون عادلًا أبدًا، لأنّه صادرٌ عن حنقٍ وغضبٍ تختلّ معهما الرويّة». فالقطيعة هنا مع منطق الثأر الجاهليّ الذي يجعل العقوبة شأنًا فرديًّا انتقاميًّا، واستبدالٌ له بعقوبةٍ تتولّاها الشريعة لغاياتٍ إصلاحية.

4 كيف يعمل عقله هنا؟ آلة التفكير وأدواته

الأداة الأولى: تحليل الدوافع النفسية. يبني ابن عاشور أحكامه على قراءةٍ دقيقة للنفس البشرية. يفهم حاجة العامل التي تدفعه للتعجّل، وطمع صاحب المال، وحنق المجنيّ عليه الذي يفسد عدله. فهو لا يشرّع في فراغ، بل ينطلق من فهمٍ واقعيّ لدوافع الأطراف، ثمّ يبيّن كيف تعالجها الشريعة.

الأداة الثانية: تطبيق سدّ الذرائع لحماية الضعيف. يستعمل قاعدة سدّ الذريعة لا لمنع مفسدةٍ فحسب، بل لحماية طرفٍ من استغلالٍ متوقّع: يجعل الحياطة للعَمَلة «لسدّ هذه الذريعة» — ذريعة استغلال حاجتهم. فهو يوظّف أداةً أصولية في خدمة العدالة الاجتماعية.

الأداة الثالثة: التعليل الغائيّ لأركان النظام. في القضاء يردّ كلّ ركنٍ إلى غايته: «مقصد الشريعة من نظام هيئة القضاء أن يشتمل على ما فيه إعانةٌ على إظهار الحقوق وقمع الباطل». ويعلّل شروط القاضي (العلم والعدالة) بوظيفتها: العدالة «الوازع عن الجور في الحكم». فكلّ حكمٍ يُردّ إلى المقصد الذي يخدمه، لا يُؤخذ مسلّمةً مجرّدة.

5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الحوار مع التراث ومع العصر

مع التراث: يبني ابن عاشور على الفقه المالكيّ في أحكام المعاملات على العمل والقضاء، ويناقش آراء الفقهاء في شروط القاضي واشتراط الاجتهاد. لكنّه يجتهد فيقرّر رأيًا خاصًّا: أنّ «العالِم المقلّد لمذهب مجتهدٍ مشهور، العالِم بالأدلّة، لا يقصّر في استحقاق القضاء عن المجتهد» — مراعاةً لواقع تقليد المذاهب. فهو يقرأ شرط الاجتهاد قراءةً مقاصدية تلائم زمنه.

مع العصر: جعلُ العقوبة إصلاحًا لا انتقامًا، وتحديدُ مقاصدها في التأديب والردع وقطع الثأر، يجعل ابن عاشور يلامس فلسفة العقاب الحديثة التي تنظر إلى العقوبة بوصفها إصلاحًا وردعًا اجتماعيًّا. كذلك حمايته للعَمَلة من إجحاف أصحاب الأموال تقترب من مبادئ حماية العمّال في القانون الاجتماعيّ الحديث. يقرأ ابن عاشور أحكام المعاملات قراءةً تُظهر بُعدها الاجتماعيّ العادل، مستبقًا كثيرًا من هموم عصره.

6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية والتلقّي

ما بقي حيًّا: قراءة العقوبة بوصفها إصلاحًا ذا مقاصد محدّدة، وحماية الطرف الأضعف في عقود العمل، ظلّتا من أقوى ما يُستشهد به في المقاصد المعاصرة، خاصّةً في فقه العمل والعدالة الجنائية. وتعليله لشروط القضاء بوظائفها المقاصدية أثرى النظر في نظام القضاء الإسلاميّ.

حدوده والأسئلة التي تركها: يبقى تطبيق «الحياطة لجانب العَمَلة» بحاجةٍ إلى تفصيلٍ لم يستوفه الفصل: ما حدود تدخّل الشريعة لحماية العامل قبل أن يصير التدخّل إضرارًا بصاحب المال؟ ابن عاشور يقرّر المبدأ ويترك الضبط الدقيق للاجتهاد. وفي العقوبات، يجعل إزالة الخبث من نفس الجاني أثرًا للعقوبة، وهي دعوى نفسية يصعب التحقّق منها، وقد تختلف باختلاف الأفراد والجرائم. كذلك تظلّ العلاقة بين المقصد الإصلاحيّ للعقوبة وبين صور تطبيقها المحدّدة سؤالًا مفتوحًا: إذا كان المقصد الإصلاح، فهل تتغيّر صور العقوبات بتغيّر ما يحقّق الإصلاح؟ الفصل يفتح الباب ولا يحسمه.

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصول الأبدان والتبرعات والقضاء والعقوبات من القسم الثالث (شاملة 1756–1818، ج3).