مقاصد أحكام العائلة
يجعل ابن عاشور نظام العائلة أساس الحضارة كلّها: «انتظام أمر العائلات في الأمّة أساس حضارتها». ويبني الفصل على أربع أواصر مترتّبة: النكاح، ثمّ النسب، ثمّ الصهر، ثمّ كيفية انحلالها. وخيطه الناظم أنّ الشريعة هذّبت الداعية الجبلية بين الجنسين فحوّلتها من اندفاعٍ شهوانيّ إلى آصرةٍ مقصدها الإحصان وحفظ النسب. من هنا يقرأ أحكام النكاح والتحريم والتعدّد قراءةً مقاصدية، لا مجرّد أحكامٍ تعبّدية.
فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.
1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها
يفتتح ابن عاشور أبواب المعاملات الخاصّة بالعائلة، ويقدّم لها بمقدّمةٍ حضارية: «انتظام أمر العائلات في الأمّة أساس حضارتها وانتظام جامعتها، فلذلك كان الاعتناء بضبط نظام العائلة من مقصد الشرائع البشرية كلّها». فالعائلة عنده ليست شأنًا خاصًّا، بل الخلية التي تنتظم بها الأمّة.
ويرتّب مباحثه ترتيبًا تكوينيًّا: «الأصل الأصيل في تشريع أمر العائلة هو إحكام آصرة النكاح، ثمّ إحكام آصرة القرابة، ثمّ إحكام آصرة الصهر، ثمّ إحكام كيفية انحلال ما يقبل الانحلال من هذه الأواصر الثلاث». هذا الترتيب ليس عشوائيًّا: النكاح أصلٌ يتولّد عنه النسب، ومن امتزاج النكاح بالنسب يتولّد الصهر — فالبناء يتبع منطق التكوّن نفسه.
2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل
الخيط الحاكم هو تهذيب الداعية الجبلية وتحويلها إلى آصرةٍ حاملةٍ لمقاصد. ينطلق ابن عاشور من ملاحظةٍ تكوينية: أنّ ميل الذكور إلى الإناث «داعيةٌ جبلية» أودعها الله لضمان بقاء النوع بلا حاجةٍ إلى إكراه. لكنّ الإنسان، بعقله الذي «يعتبر الأعمال باعتبار غاياتها»، لم يقف عند الاندفاع الشهوانيّ، بل رأى في هذه الداعية «حبًّا وودًّا ولطفًا ورحمة وتعاونًا وتناسلًا واتّحادًا وإقامةً لنظام العائلة».
فصار عمل الشريعة أن «تكسو هذه الداعية إهابًا غير الإهاب الذي برزت فيه بادئ الخلقة». وهذا التهذيب هو مفتاح الفصل كلّه: كلّ حكمٍ في النكاح والتحريم إنّما يُقرأ بوصفه أداةً لرفع الداعية من مستوى الشهوة إلى مستوى المقصد الحضاريّ. من أمسك هذا الخيط فهم لماذا تشدّدت الشريعة في بعض الأحكام وسمحت في أخرى: الميزان دائمًا هو خدمة الإحصان وحفظ النسب.
3 السؤال الذي يطارد ابن عاشور الإشكالية والقطيعة مع السائد
السؤال المؤسِّس: ما حقيقة النكاح — أهو عقد منفعةٍ كسائر العقود، أم آصرةٌ من نوعٍ آخر؟ الجواب يحسم كثيرًا من الأحكام.
القطيعة مع تصوّر النكاح عقدَ منفعةٍ مؤقّت: يقرأ ابن عاشور النكاح بوصفه إحصانًا ، مستدلًّا بلغة القرآن نفسها: «جعل القرآن النكاح إحصانًا، فسمّى الأزواج محصِنين بصيغة اسم الفاعل، وسمّى الزوجات محصَنات». والإحصان معناه المنع والحماية، لا مجرّد قضاء الشهوة.
ويظهر أثر هذا التصوّر في موقفه من نكاح المتعة. يعلّل بطلانه تعليلًا مقاصديًّا دقيقًا: أنّ التوقيت «يقرّبه من عقود الإجارات والأكرية، ويخلع عنه ذلك المعنى المقدّس». فالتأجيل يجعل النفس تنتظر أجله وتتهيّأ لما بعده، فتضعف الحصانة ويفتر الودّ. فالقطيعة هنا مع من يقيس النكاح على عقود المنافع: ابن عاشور يُخرجه من جنس المعاوضة إلى جنس الآصرة الدائمة، ويجعل هذا الإخراج علّةً لأحكامٍ كثيرة.
4 كيف يعمل عقله هنا؟ آلة التفكير وأدواته
الأداة الأولى: التحليل التكوينيّ-الغائيّ. لا يبدأ ابن عاشور من الحكم الفقهيّ، بل من أصل الظاهرة في الجبلّة، ثمّ يتتبّع كيف هذّبتها الشريعة. يفعل ذلك مع الداعية الجنسية، ومع النسب، ومع القرابة — يردّ كلًّا إلى أصله التكوينيّ ثمّ يبيّن المقصد الذي رفعته إليه الشريعة.
الأداة الثانية: القراءة التاريخية المقارِنة. يستعمل حديث عائشة عن أنكحة الجاهلية الأربعة (نكاح الخِطبة، والاستبضاع، ونكاح الرهط، والبغايا) لا لمجرّد الرواية، بل ليُظهر أنّ الإسلام «هدم نكاح الجاهلية كلّه إلّا نكاح الناس اليوم». فالمقارنة بين ما كان وما أبقته الشريعة تكشف المقصد: كلّ ما أُبطل كان يُشكّك في النسب، وما أُبقي هو ما يحفظه.
الأداة الثالثة: التعليل التفصيليّ للأحكام المتشابهة. حين يعرض تحريم المحرّمات لا يسوّي بينها، بل يميّز حكمة كلّ نوع: «حكمة تحريم ما حُرِّم تزوّجه مختلفةٌ باختلاف أنواع المحرّمات». فتحريم الأصول والفروع لصون الوقار، وتحريم الجمع بين الأختين لدفع الشقاق القاطع للرحم. عقلٌ يرفض التعليل الواحد الجامد ويطلب لكلّ حكمٍ حكمته الخاصّة.
5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الحوار مع التراث ومع العصر
مع التراث: يحاور ابن عاشور المفسّرين والفقهاء، وينقل عن الفخر الرازي في تعليل تحريم المحرّمات بالنسب (أنّ الوطء فيه معنى الإذلال الذي يجب صون الأمّهات عنه). لكنّه لا يقف عند النقل، بل «يحرّر» التعليل ويعيد صياغته: القرابة تقتضي الوقار، والنكاح فيه نبذٌ للحياء، فيتنافيان. فهو يبني على التراث ثمّ يهذّب تعليله بما يوافق أصله المقاصديّ.
مع العصر: يفتح ابن عاشور بابًا للاجتهاد المعاصر في مسألة الإشهاد على النكاح. يتساءل صراحةً: هل يقوم «التوثيق بتسجيل الإشهاد لعقد النكاح تسجيلًا يقطع تأتّي إنكاره مقام الشهرة في معظم حكمتها؟» ويجيب: «فذلك مجالٌ للاجتهاد». هذه لفتةٌ حديثة: يربط حكمة الشهرة القديمة (منع الإسرار المقرِّب من الزنا) بوسيلةٍ عصرية (التسجيل الرسميّ)، فيقرأ المقصد قراءةً تسمح بتجديد الوسيلة. وهو تطبيقٌ عمليّ لقاعدته في تبعية الوسيلة للمقصد.
6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية والتلقّي
ما بقي حيًّا: قراءة النكاح بوصفه آصرةً مقصدها الإحصان وحفظ النسب، لا عقد منفعةٍ مؤقّت، ظلّت أساسًا في فقه الأسرة المعاصر. وتعليله لبطلان المتعة بخلعها المعنى المقدّس عن العلاقة صار من أقوى التعليلات المقاصدية في الباب. كذلك فتحه باب الاجتهاد في التوثيق الرسميّ للنكاح سبق كثيرًا من التقنينات الحديثة لعقود الزواج.
حدوده والأسئلة التي تركها: يعتمد ابن عاشور كثيرًا على «الداعية الجبلية» و«التكوين» أساسًا للأحكام، وهو أساسٌ يصعب ضبطه: فما يُعدّ جبليًّا في زمنٍ قد يُنظر إليه مختلفًا في آخر، والحدّ بين الفطريّ والثقافيّ يبقى محلّ نظر. كذلك بعض تعليلاته للأحكام (كحكمة تفاصيل التحريم) اجتهاداتٌ ظنّية يصرّح هو بظنّيّتها («أحسب»، «لا شكّ عندي») — وهي قوّةٌ من حيث التواضع العلميّ، لكنّها تترك المقصد المحدَّد مفتوحًا للاختلاف. ويبقى السؤال الأكبر معلّقًا: حين تتغيّر أشكال العائلة وأنماط العيش، أيّ أحكامٍ من هذا الباب مقصدٌ ثابت وأيّها وسيلةٌ قابلة للتجديد؟ الفصل يضع المبدأ ولا يستوفي تفصيله.
جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصول العائلة من القسم الثالث (شاملة 1685–1715، ج3).