مقاصد التصرّفات المالية
يُثبت ابن عاشور أنّ ثروة الأمّة مقصدٌ شرعيّ أصيل، لا مجرّد مباحٍ متروك للأفراد. ثمّ يستخرج من مجموع الأحكام المالية خمسة أوصافٍ تضبط التصرّفات المشروعة: الرواج والوضوح والحفظ والثبات والعدل. وأبرزها الرواج — دوران المال بين أكبر عددٍ من الأيدي — الذي يجعله ابن عاشور محورًا يفسّر به كثيرًا من أحكام البيوع والعقود والنقود. وخيطه الناظم أنّ المال في نظر الشريعة وظيفةٌ اجتماعية لا كنزٌ فرديّ.
فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.
1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها
ينتقل ابن عاشور من العائلة إلى المال، بوصفه الركيزة الثانية لنظام الأمّة. والمشكلة التي يعالجها: هل المال مجرّد شأنٍ فرديّ مباح، أم أنّ له في الشريعة مكانةً مقصودة؟ يجيب من أوّل سطرٍ بحجّةٍ استنكارية: «ما يُظنّ بشريعة جاءت لحفظ نظام الأمّة وتقوية شوكتها وعزّتها إلّا أن يكون لثروة الأمّة في نظرها المكان السامي من الاعتبار».
ثمّ يبني إثباته بالاستقراء: يجمع أدلّة القرآن والسنّة الدالّة على العناية بمال الأمّة، فيخلص إلى «يقينٍ بأنّ للمال في نظر الشريعة حظًّا لا يُستهان به». ويستدلّ بجعل الزكاة ثالثةً لقواعد الإسلام وشعارًا للمسلمين، على أنّ ذلك «تنبيهٌ على ما للمال من القيام بمصالح الأمّة اكتسابًا وإنفاقًا». فالفصل وُلد ليُثبت أنّ الثروة مقصدٌ، تمهيدًا لضبط التصرّفات التي تحفظها.
2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل
الخيط الحاكم هو أنّ المال وظيفةٌ اجتماعية تُقاس بدورانه لا بتكديسه. يستخرج ابن عاشور خمسة أوصافٍ للتصرّفات المالية المقصودة للشريعة: «رواجها، ووضوحها، وحفظها، وثباتها، والعدل فيها». وهذه الأوصاف الخمسة هي شبكة الفصل كلّه.
وأعظمها الرواج ، ويعرّفه: «دوران المال بين أيدي أكثر من يمكن من الناس بوجه حقّ. وهو مقصدٌ عظيمٌ شرعيّ». وبهذا المفهوم يفسّر جملةً من الأحكام: مشروعية عقود المعاملات لنقل الحقوق، ولزوم العقود بالصيغة، وإيجاب النفقات لاستنفاد بعض الثروة، وحتى نهي الرجال عن التحلّي بالذهب والفضّة — يعلّله بأنّه «لحكمة تعطيل رواج النقدين بكثرة الاقتناء المفضي إلى قلّتهما». فمن أمسك مقصد الرواج فهم كيف تصبّ أحكامٌ متباعدة في اتّجاهٍ واحد: منع ركود المال في يدٍ واحدة، مصداقًا لقوله تعالى «كي لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم».
3 السؤال الذي يطارد ابن عاشور الإشكالية والقطيعة مع السائد
السؤال المؤسِّس: ما حدود حرية المالك في ماله؟ هل الملكية الفردية مطلقةٌ أم مقيّدة بمصلحة الأمّة؟
الرأي الذي يواجهه: تصوّر الملكية حريةً مطلقة، وهو تصوّرٌ عبّر عنه القرآن حكايةً عن أهل مدين حين أنكروا على شعيب: «أوَأن نفعل في أموالنا ما نشاء». فهذا موقفٌ يجعل التصرّف في المال حقًّا لا يقبل تدخّلًا.
كيف فكّكه وبماذا استبدله: يقرّ ابن عاشور بأصل الملكية الفردية وأنّ حبّ العدل حمل البشر على احترام ممتلكات الناس. لكنّه يقيّدها بمقصد المصلحة العامّة. يقرّر أنّ بعض الأموال «وإن كانت خاصّةً بأصحابها، إلّا أنّ تصرّفهم فيها لا يكون مطلق الحرية كالتصرّف في غيرها» — كالأموال التي هي قوتٌ للأمّة، أو وسيلةُ دفاعٍ عن العدوّ. فالملكية عنده حقٌّ مصونٌ لكنّه وظيفيّ: مقيّدٌ بألّا يعود التصرّف الخاصّ بالضرر على مصلحة الأمّة العامّة. هذه قطيعةٌ مع إطلاق الملكية، واستبدالٌ لها بملكيةٍ مسؤولة.
4 كيف يعمل عقله هنا؟ آلة التفكير وأدواته
الأداة الأولى: الاستقراء المُنتِج للأوصاف. لا يفرض ابن عاشور الأوصاف الخمسة فرضًا، بل يستخرجها من مجموع الأحكام المالية. يجمع الترغيب في المعاملة، ومشروعية التوثّق، وأحكام العقود، فيستخلص منها أنّ الرواج مقصد؛ ويفعل مثله في بقية الأوصاف. هذا تطبيقٌ لمنهجه العامّ: الصعود من الجزئيات إلى الكلّيات الحاكمة.
الأداة الثانية: التحليل الاقتصاديّ للأشياء. يكشف ابن عاشور عن حسٍّ اقتصاديّ نادر حين يحلّل تفاوت الأموال في سهولة الرواج. يضع معايير دقيقة: «خفّة النقل، وقبول طول الادّخار، ووفرة الرغبات في التحصيل، وتيسّر التجزئة». ثمّ يطبّقها مقارِنًا: الحبوب أيسر رواجًا من التمر والزبيب، والألبان واللحوم ضعيفةٌ في ذلك كلّه. وينتهي إلى تعليل وضع النقدين: أنّهما حلٌّ لمشكلة المقايضة العينية. هذا تفكيرٌ في وظائف المال يقارب التحليل الاقتصاديّ الحديث.
الأداة الثالثة: ردّ الأحكام الفقهية إلى مقصدٍ جامع. يعيد ابن عاشور أحكامًا متفرّقة (اغتفار الغرر في المغارسة والسَّلَم، لزوم العقود، تسهيل المبادلة) إلى مقصدٍ واحد هو تيسير الرواج. فبدل أن تبقى استثناءاتٍ متناثرة، تصير تطبيقاتٍ لمبدأ.
5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الحوار مع التراث ومع العصر
مع التراث: يبني ابن عاشور على الفقه المالكيّ وأصوله، ويحاور القرافي في تعليل لزوم العقود (الفرق السادس والتسعين والمائة). لكنّه يتجاوز عرض الأحكام إلى استخراج نظريةٍ عامّة للمال. فحيث كان الفقهاء يعالجون البيوع والعقود مسائلَ مفردة، يجمعها ابن عاشور تحت مقاصد كلّية (الرواج، العدل)، فيحوّل فقه المعاملات من مسائل إلى نظام.
مع العصر: مفهوم «الرواج» ومنع تكدّس المال في يدٍ واحدة، وربطه بآية «كي لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم»، يجعل ابن عاشور يلامس قضايا العدالة الاقتصادية التي شغلت عصره وما بعده. وتقييده الملكية الفردية بالمصلحة العامّة يقترب من مفاهيم الوظيفة الاجتماعية للملكية في القانون الحديث. فهو يقرأ التراث الماليّ قراءةً تجعله قادرًا على محاورة الأسئلة الاقتصادية الحديثة، منطلقًا من أصوله لا من خارجها.
6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية والتلقّي
ما بقي حيًّا: نظرية المقاصد المالية عند ابن عاشور — خاصّةً مقصد الرواج وتقييد الملكية بالمصلحة العامّة — صارت مرجعًا في الاقتصاد الإسلاميّ المعاصر وفقه المعاملات المستجدّة. وتحليله الوظيفيّ للمال والنقود سبق كثيرًا من الدراسات في مقاصد الأحكام المالية.
حدوده والأسئلة التي تركها: يبقى مقصد الرواج مبدأً عامًّا يحتاج ضابطًا عند التطبيق: متى يكون تقييد الملكية خدمةً للرواج، ومتى يصير عدوانًا على حقّ المالك؟ الحدّ بينهما لم يضبطه ابن عاشور ضبطًا حاسمًا، بل تركه لتقدير المصلحة — وهو التقدير الذي يعود إليه إشكال المشروع كلّه (من يحدّد المصلحة عند النزاع؟). كذلك تحليله الاقتصاديّ، على أصالته، يبقى وصفيًّا لعصره: لم يتناول أدوات المال الحديثة المعقّدة، وتطبيق مقاصده عليها يحتاج اجتهادًا جديدًا يتجاوز ما في الفصل.
جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصول المال من القسم الثالث (شاملة 1716–1769، ج3).