المقاصد والوسائل
يفتتح ابن عاشور القسم الثالث — مقاصد المعاملات — بوضع أدواته النظرية. يميّز أوّلًا بين المقاصد (ما يُقصَد لذاته) والوسائل (ما يُشرَع لتحصيل غيره)، ويقرّر أنّ الوسيلة تابعة للمقصد تسقط بسقوطه. ثمّ يميّز بين مقاصد الشرع ومقاصد الناس، ويعيد تعريف حقّ الله تعريفًا خاصًّا: ليس حقّ ذاته تعالى، بل النفع العامّ وحماية الضعيف. هذا الفصل هو المفتاح النظريّ الذي تُقرأ به كلّ أبواب المعاملات بعده.
فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.
1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها
بعد أن أثبت ابن عاشور المقاصد (القسم الأول) ورسم المقاصد العامّة (القسم الثاني)، ينتقل إلى ميدانٍ أخصّ: مقاصد المعاملات. لكنّه لا يبدأ بالأحكام مباشرة، بل يقدّم فصلًا نظريًّا يضبط المفاهيم. المشكلة التي يعالجها: كيف نميّز في كلّ حكمٍ من أحكام المعاملات بين ما هو غايةٌ مقصودة وما هو أداةٌ لتحصيلها؟
هذا التمييز ليس ترفًا نظريًّا، بل له أثرٌ عمليّ حاسم في الاجتهاد. فإذا التبس على الفقيه المقصدُ بالوسيلة، عامل الوسيلة معاملة الغاية الثابتة، فجمد على أحكامٍ إنّما شُرعت لغرضٍ قد يزول. لذلك يبدأ ابن عاشور القسم الثالث بهذا الضبط، ليجعله ميزانًا في كلّ ما يليه.
2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل
الخيط الحاكم هو تبعية الوسيلة للمقصد. المقاصد عند ابن عاشور «الأعمال والتصرّفات المقصودة لذاتها»، أمّا الوسائل فهي «الأحكام التي شُرعت لأن يتمّ بها تحصيل أحكامٍ أخرى، وهي غير مقصودة لذاتها بل لتحصيل غيرها». والوسائل «مجعولةٌ في الدرجة الثانية من المقاصد».
ويترتّب على هذا الترتيب قاعدةٌ فقهية حاسمة يصرّح بها: «إذا سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة». ويضرب لها مثالًا: نكاح المريض مرض الموت مفسوخٌ، وفسخُه وسيلةٌ لمقصد حفظ حقوق الميراث؛ فإذا برئ المريض قبل الفسخ سقط المقصد (خطر الحرمان من الميراث)، فسقطت الوسيلة (الفسخ) — حتى إنّ مالكًا «رجع إلى عدم فسخه وأمَر بمحو ما كان قاله في فسخه». من أمسك هذا الخيط فهم منطق القسم كلّه: الأحكام الوسيطة مرنة بمرونة مقاصدها.
3 السؤال الذي يطارد ابن عاشور الإشكالية والقطيعة مع السائد
السؤال المؤسِّس: ما حقيقة «حقّ الله» في المعاملات؟ الظاهر من اللفظ أنّه حقٌّ لذات الله تعالى، وهذا ما قد يتبادر إلى الأذهان ويُبنى عليه في الفقه.
القطيعة: يرفض ابن عاشور هذا الظاهر صراحةً. يقول إنّ حقّ الله «لا يُراد به ما يعطيه ظاهر هذه الإضافة، من أنّه حقٌّ لذات الله تعالى، لأنّ حقّ ذات الله إنّما يدخل في العقائد والعبادات». فذات الله غنيّةٌ عن العالمين، ومقصده من التشريع الاجتماعيّ ليس نفع ذاته.
وبماذا استبدله: يعيد تعريف حقّ الله في المعاملات تعريفًا وظيفيًّا: «المراد بها حقوقٌ للأمّة فيها تحصيل النفع العامّ أو الغالب، أو حقُّ من يعجز عن حماية حقّه». فحقّ الله = المصلحة العامّة + حماية الضعيف الذي لا نصير له (كحقّ بيت المال، والقاصر، والصغير الذي لا حاضن له). وبهذا يحوّل مفهومًا يبدو تعبّديًّا مجرّدًا إلى مفهومٍ اجتماعيّ محدَّد: ما لا يملك أحدٌ إسقاطه لأنّه يحمي الكلّ أو يحمي العاجز. هذا التحويل من حقّ الذات إلى حقّ النظام العامّ هو قطيعته النظرية الكبرى في هذا الباب.
4 كيف يعمل عقله هنا؟ آلة التفكير وأدواته
الأداة الأولى: التقسيم المنطقيّ المتدرّج. يبني ابن عاشور تصنيفًا هرميًّا محكمًا: المقاصد تنقسم إلى مقاصد شرعٍ ومقاصد ناس؛ ومقاصد الناس تنقسم إلى ما اتّفق عليه العقلاء (كالبيع والإجارة) وما يخصّ فريقًا منهم (كالأكرية المؤبّدة المختلفة بين الأمصار)؛ وكلّها تنقسم إلى حقّ الله وحقّ العبد. هذا التقسيم ليس استعراضًا، بل شبكةٌ تُموضِع كلّ حكمٍ في مكانه.
الأداة الثانية: النظر في مآلات الوسائل عند تعارضها. يلاحظ أنّ الوسائل قد تتعدّد إلى المقصد الواحد، فتختار الشريعة «أقوى تلك الوسائل تحصيلًا للمقصد، بحيث يحصل كاملًا راسخًا عاجلًا ميسورًا». ويضرب مثالًا دقيقًا: عقاب المرأة بالإمساك في البيوت وسيلةٌ لمقصدٍ، ويجوز أن يتولّاه الوليّ أو الزوج أو القاضي؛ فإذا ضعفت سلطة الوليّ في زمنٍ تعيّن على القاضي مباشرته، لأنّه حينئذٍ «أوقعُ في دوام ذلك». فالوسيلة تُقاس بقوّة إفضائها إلى المقصد في ظرفها، لا بصورتها الثابتة. ويعترف ابن عاشور أنّ هذا المجال «لم أرَ من نبّه على الالتفات إليه» — إقرارٌ بأصالة نظره.
5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الحوار مع التراث ومع العصر
مع التراث: يبني ابن عاشور على تمييزٍ أصوليٍّ معروف بين حقّ الله وحقّ العبد، أشار إليه القرافي في «فروقه» (الفرق بين قاعدة حقوق الله وقاعدة حقوق الآدميين). لكنّه يتجاوز التقرير المجرّد إلى إعادة تأسيسٍ وظيفيّ: لا يكتفي بأنّ حقّ الله لا يسقط بالإسقاط، بل يعلّل ذلك بأنّه يحمي النظام العامّ والعاجز. فهو ينقل القاعدة من مستوى الوصف إلى مستوى التعليل المقاصديّ.
مع العصر: حين يجعل «حقّ الله» مرادفًا للمصلحة العامّة وحماية الضعيف، فهو يقترب من مفاهيم القانون الاجتماعيّ الحديث: النظام العامّ الذي لا يجوز للأفراد التعاقد على خلافه، وحماية الطرف الأضعف في العقود. يقرأ ابن عاشور التراث الفقهيّ بلغةٍ تجعله قادرًا على محاورة القانون الحديث، دون أن يتخلّى عن أصوله. وهذا يخدم مشروعه العامّ: إظهار الشريعة نظامًا اجتماعيًّا صالحًا للتطبيق، لا مجموعة أحكامٍ متفرّقة.
6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية والتلقّي
ما بقي حيًّا: تمييز المقصد من الوسيلة، وقاعدة سقوط الوسيلة بسقوط مقصدها، صارا من أدوات الاجتهاد المقاصديّ المعاصر، خاصّةً في فقه المعاملات المستجدّة والمعاملات المالية. وإعادةُ تعريف حقّ الله بالمصلحة العامّة فتحت بابًا واسعًا للتعامل مع مفاهيم النظام العامّ في الفقه الحديث.
حدوده والأسئلة التي تركها: يبقى المعيار الدقيق للتمييز بين المقصد والوسيلة غير محسوم في كلّ الحالات. فكثيرٌ من الأحكام يحتمل أن يكون مقصدًا ووسيلةً معًا بحسب الزاوية، وابن عاشور لم يضع قاعدةً حاسمة تفصل بينهما في المواضع المشتبهة، بل اعتمد على النظر في كلّ حالة. كذلك تعريفه لحقّ الله بالنفع العامّ يفتح سؤالًا: من يحدّد «النفع العامّ» حين يختلف الناس فيه؟ وهو سؤالٌ يرثه فقه المصلحة كلّه، ولم يقدّم هذا الفصل جوابًا ضابطًا له.
جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «المقاصد والوسائل» من القسم الثالث (شاملة 1666–1684، ج3).