قراءة تحليلية · القسم الثاني من مقاصد الشريعة

المقصد العام من التشريع

الفصل الخامس من المقاصد العامّة · صفحات 194–199 من الجزء الثالث

6صفحات
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

هذا الفصل يُحدّد الغاية الكبرى التي تخدمها كلّ أحكام الشريعة: «حفظ نظام الأمّة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان». ابن عاشور لا يجعل المقصد أخرويًّا (الثواب والعقاب) بل دنيويًّا (الإصلاح والنظام) — ثمّ يوضّح أنّ الآخرة جزاء على أحوال الدنيا لا مقصد تشريعي . ومن هذا المقصد العامّ تتفرّع كلّ المقاصد الجزئية التي يعالجها الكتاب.

فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها

يأتي بعد فصول التأسيس المنهجي (إثبات المقاصد، الفطرة، السماحة) وقبل فصول المقاصد التفصيلية (المصلحة، المساواة). موقعه محوريّ: يربط الأساس بالتفاصيل. بعد أن أثبت أنّ للشريعة مقاصد وأنّ طريق إثباتها الاستقراء ، يحتاج إلى تسمية المقصد الأعلى الذي تنتظم تحته كلّ المقاصد الأخرى.

فالفصل ليس مجرّد إضافة في سلسلة، بل هو المفصل الذي يحوّل الكتاب من مدخل نظري إلى مشروع منهجي متكامل: إذا عرفنا الغاية الأعلى أمكن اشتقاق ما دونها، وإذا غابت بقيت الكلّيات الجزئية بلا عمود فقري يجمعها.

2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل

جلب الصلاح ودرء الفساد — في الدنيا لا في الآخرة. يقول: «ليس المراد بالآجل أمورَ الآخرة، لأنّ الشرائع لا تحدّد للناس سيرهم في الآخرة». هذا تمييز حاسم: الشريعة تشريع للحياة الاجتماعية، لا وعظ أخروي.

والصلاح يشمل ثلاثة أبعاد: صلاح الإنسان ذاته، وصلاح عقله، وصلاح عمله. فهو مقصد شامل يتجاوز الكلّيات الخمس التقليدية (حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال). لا يُلغيها لكنّه يجعلها تنبثق من مقصد أعلى لا تُفسَّر باستقلال عنه.

3 السؤال والقطيعة الإشكالية المؤسِّسة

السؤال: ما الغاية الأعلى للتشريع؟ الموقف السائد — ممثَّلًا في الغزالي وجمهور الأصوليّين — يكرّر الكلّيات الخمس جوابًا عن هذا السؤال. ابن عاشور لا يُلغيها بل يرفعها مرتبة: فوق الكلّيات الخمس يضع مقصدًا أعلى واحدًا — حفظ نظام الأمّة.

ويُثبته بالاستقراء القرآني: آيات الإصلاح والإفساد من سورة هود إلى القصص إلى البقرة. ثمّ يُثبت أنّ المراد ليس صلاح العقيدة فحسب بل «صلاح أحوال الناس وشؤونهم في الحياة الاجتماعية» — بدليل آية «ويهلك الحرث والنسل». يُميّز الآيات الصريحة في الإصلاح الدنيوي عمّا يحتمل الإيمان والكفر فيتركه — وهذا احتياط منهجي يُبيّن صرامة استقرائه.

4 كيف يعمل عقله هنا؟ الأدوات والبرهان

أداتان. الأولى: الاستقراء القرآني المكثّف — يحشد آيات الإصلاح والإفساد من عدّة سور ويستخلص منها مقصدًا كلّيًّا واحدًا. يُميّز الصريح منها (ما صرّح بالإصلاح الدنيوي) عمّا يحتمل الإيمان والكفر فيتركه. المنهج نفسه الذي بنى عليه الكتاب كلّه: لا استدلال آحادي، بل تراكم دلالي يبلغ القطع.

الثانية: التدريج المنهجي — يُظهر كيف عالج الإسلام الإنسان بتدريج: بدأ بصلاح الاعتقاد (مبدأ التفكير)، ثمّ تزكية النفس (الباطن محرّك الأعمال)، ثمّ تقنين التشريعات (إصلاح العمل). ويستشهد بالتطور التاريخي للتشريع من البعثة إلى ما بعد الهجرة. هذا التدريج ليس تاريخًا فحسب بل بُرهان: كلّ مرحلة بنت على ما سبقها نحو الغاية الواحدة — إصلاح الحياة الاجتماعية.

5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الأثر والموقع

مع التراث: الغزالي والأصوليون حصروا مقاصد الشريعة في الكلّيات الخمس. ابن عاشور يجعلها فروعًا لمقصد أعلى: حفظ نظام العالم . هذا تغيير في المعمار لا في المحتوى — يحتفظ بالكلّيات الخمس لكنّه يُعيد تأطيرها ضمن بنية هرمية واضحة، فتصبح أدوات لا غايات.

مع العصر: جعل المقصد دنيويًّا (الإصلاح الاجتماعي) يردّ على من يحصر الشريعة في العبادة، ويؤسّس لمشروعية التشريع الإسلامي في المجال المدني والسياسي — وهو هاجس عصره. ابن عاشور يكتب في سياق الإصلاح التونسي والتحدّي العلماني، ففصل المقصد العامّ يُثبت أنّ الشريعة مشروع اجتماعي متكامل لا ديانة خاصة.

6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية

ما بقي: تأسيس «جلب المصلحة ودرء المفسدة» كقاعدة كلّية صار من مسلّمات الفكر المقاصدي. وصار الهيكل الهرمي — مقصد أعلى يُنظّم مقاصد دونه — المعمارَ المعتمد في كلّ كتابة مقاصدية معاصرة.

حدوده: الفصل مقتضَب (6 صفحات) ولا يفصّل العلاقة بين المقصد العامّ (حفظ النظام) والمقاصد الجزئية (الكلّيات الخمس) — يُحيل على الفصول اللاحقة. كذلك حصره المقصد في الإصلاح الدنيوي مع إخراج الآخرة — رغم تماسكه المنطقي — قد يُستغلّ لتهميش البعد الروحي للشريعة، وهو ما لم يقصده لكنّه لم يحتط له. فمن قرأ «ليس المراد بالآجل أمورَ الآخرة» مقطوعًا عن سياقه قد يظنّ أنّه يُقصي الأُخرويات من الشريعة جملةً.

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «المقصد العام من التشريع» (شاملة 1459–1464، ج3 ص194–199).