بيان المصلحة والمفسدة
هذا الفصل يعالج أخطر مفهوم في علم المقاصد: المصلحة . لكنّه لا يكرّر ما قاله السابقون عنها، بل يسأل سؤالًا مختلفًا: متى يحقّ لنا أن نصف فعلًا بأنّه «مصلحة» أو «مفسدة»؟ ما الضابط الذي يفصل النفع الحقيقي عن مجرّد الملاءمة والهوى؟ وجد ابن عاشور أنّ من سبقه — العز بن عبد السلام والشاطبي — حاموا حول هذا الضابط ولم يقعوا عليه. فوضع خمسة معايير تمييزية يُعرف بها أنّ الوصف مصلحة أو مفسدة، وبها تصير المصلحة أداةً اجتهادية منضبطة لا بابًا مفتوحًا للأهواء.
فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.
1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ المشكلة التي يعالجها وموقعه من الكتاب
بعد أن أثبت ابن عاشور في الفصول السابقة أنّ الشريعة تطلب المصالح وأنّ مقاصدها مبنيّة على الفطرة والسماحة ، بقي سؤال عمليّ لا مفرّ منه: ما المصلحة أصلًا؟ كيف نميّزها من مجرّد اللذّة أو النفع العابر؟ إن لم يُضبط هذا المفهوم، صار المقاصديّ كمن يبني على رمل — يدّعي كلّ فريقٍ أنّ ما يريده «مصلحة» فيضيع المعيار.
ابن عاشور واعٍ بالخطر. يعلم أنّ السابقين عرّفوا المصلحة تعريفاتٍ كثيرة: العضد عرّفها بأنّها «اللذة ووسيلتها»، والغزالي بأنّها «المحافظة على مقصود الشارع»، والشاطبي بأنّها «ما يؤثر صلاحًا أو منفعة». لكنّ هذه التعريفات — كما يحكم — «غير منضبطة». تصف المصلحة بما يشبهها، لا بما يحدّها. فجاء الفصل ليسدّ هذه الثغرة: لا يكفي أن تقول إنّ الشريعة جاءت للمصالح، بل يجب أن تضع في يد المجتهد أداةً يميّز بها المصلحة الحقيقية ممّا يتنكّر في ثوبها.
2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل
الخيط الذي ينتظم الفصل كلّه: المصلحة ليست مطلق الملائم. هذا التمييز الدقيق هو جوهر ما يبنيه ابن عاشور هنا. يقوله بصراحة في آخر الفصل: «ليست المصلحة هي مطلق الملائم ولا المفسدة هي مطلق المنافر والمشقّة. فإنّ بين المصلحة والمفسدة وبين ما ذكرناه عمومًا وخصوصًا وجهيًّا». ثمّ يُثبته بدليل قرآني حاسم: القرآن أثبت أنّ في الخمر «منافع للناس»، ومع ذلك حرّمها. فلو كانت كلّ منفعة مصلحة لكان تناول الخمر مباحًا.
هذا التمييز يفسّر بناء الفصل: يبدأ بتعريف المصلحة تعريفًا يربطها بالنفع «الدائم أو الغالب» لا العارض، ثمّ يقسّمها إلى عامّة وخاصّة، ثمّ يرسم خمسة ضوابط تميّز المصلحة المعتبَرة من المنفعة العابرة. والغاية واحدة: أن لا يتسرّب الهوى من ثغرة عدم الانضباط.
3 السؤال والقطيعة الإشكالية المؤسِّسة وتفكيك السائد
السؤال المؤسّس للفصل: بأيّ معيارٍ نحكم على فعلٍ بأنّه ذو مصلحة أو مفسدة، علمًا بأنّ «النفع الخالص والضرّ الخالص» عزيزا الوجود في الواقع، وأنّ معظم الأفعال تمتزج فيها المنفعة والمضرّة؟
الرأي السائد: اشتغل العز بن عبد السلام والشاطبي بهذه المسألة قبل ابن عاشور. العزّ أقرّ بأنّ «المصالح الخالصة عزيزة الوجود» واقترح قاعدة «تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد»، لكنّه لم يضع ضابطًا عمليًّا يحدّد متى نعتبر الوصف مصلحة ومتى نعتبره مجرّد منفعة. والشاطبي قال إنّ المصالح «تُفهم على مقتضى ما غلب»، فإذا غلبت جهة المصلحة فهي مصلحة — وهذا وصفٌ لما يحصل، لا أداةٌ للمجتهد يقطع بها.
تفكيك ابن عاشور: يعترف بفضلهما صراحةً — ينقل عن العزّ نصوصًا مطوّلة ويقول إنّها «أحسن» ما قيل. لكنّه يحسم: «وقد حام ذانك الإمامان حول تحقيق الضابط الذي به نعتبر الوصف مصلحة أو مفسدة، لكنّهما لم يقعا عليه». ثمّ يعلن: «وأنا أقول تبعًا لذلك: إنّ ضابط تحقّق ذلك الحدّ أحد خمسة أمور». فالقطيعة هنا ليست رفضًا بل إكمالٌ واعٍ: أخذ المسألة من حيث توقّف السابقون ووضع ما لم يضعوه.
4 كيف يعمل عقله هنا؟ الأدوات والخوارزمية العقلية
يظهر في هذا الفصل عقلٌ يمزج التعريف المنطقي بالتحليل التطبيقي. أدواته ثلاث:
الأولى: التعريف بالتقسيم والإخراج. يعرّف المصلحة لا بصفةٍ واحدة بل بتمييزها ممّا يشبهها. يبدأ بتعريف إيجابي («وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع دائمًا أو غالبًا للجمهور أو للآحاد»)، ثمّ يُخرج ما ليس منها: الملائم ليس بالضرورة مصلحة، والمنفعة العابرة ليست مصلحة. هذا الإخراج هو الذي يُحكم التعريف ويمنعه من الميوعة.
الثانية: التدريج الضابطي. يرتّب الضوابط الخمسة من الأوضح إلى الأدقّ: (1) نفع أو ضرّ محقّق مطّرد لا يخالطه ضدّه أصلًا، (2) نفع أو ضرّ غالب واضح لا يقاومه ضدّه عند التأمّل، (3) ما لا يمكن الاجتزاء عنه بغيره — كالخمر التي مضارّها لا بديل يصلحها ومنافعها لها بدائل، (4) ما تساوى فيه النفع والضرّ لكن أحدهما معضود بمرجّح من جنسه كالعدل، (5) ما كان أحدهما منضبطًا محقّقًا والآخر مضطربًا. هذا التدريج يكشف عقلًا يفكّر بالمراتب لا بالثنائيات.
الثالثة: التمثيل الفقهي الذي يختبر القاعدة. لا يترك ضابطًا دون أن يُخضعه لمثال واقعي. الضابط الثالث يمتحنه بالخمر، والخامس بحديث الخِطبة على الخِطبة. ثمّ ينقل تطبيق مالك في الموطّأ — كيف فهم مالك أنّ النهي عن الخطبة على خطبة الأخ محصورٌ بحالة المراكنة والتقارب، لأنّ توسيعه يُدخل «فسادًا على الناس». فابن عاشور لا يُنظّر فقط بل يُريك كيف اشتغل الضابط قبل أن يسمّيه.
5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الحوار مع التراث ومع العصر
مع التراث: الفصل حوارٌ ممتدّ مع تراث المصلحة عند الأصوليّين. ينقل عن أربعة أقطاب: العضد الإيجي (تعريف المصلحة بالملاءمة)، الغزالي (المحافظة على مقصود الشارع)، العزّ بن عبد السلام (قواعد الموازنة)، الشاطبي (الغلبة). ولا ينقل ليجمع، بل لينقد. يحكم على العضد والغزالي بأنّ تعريفاتهما ضيّقة أو غير منضبطة. ويُثني على العزّ والشاطبي لكنّه يحدّد بدقّة أين توقّفا: حاما حول الضابط ولم يقعا عليه.
والأهمّ أنّه ينقل عن العزّ قاعدةً منهجية خطيرة يتبنّاها: «من أراد أن يعرف المصالح والمفاسد فليعرض ذلك على عقله بتقدير أنّ الشرع لم يرد به، ثمّ يبني عليه الأحكام». هذا تأسيسٌ لاستقلال العقل في تقدير المصالح — ابن عاشور يُقرّه ويبني عليه ضوابطه.
مع العصر: ما أضافه ابن عاشور — الضوابط الخمسة — يحلّ مشكلة حيّة في زمنه: في عصر التقنين والإصلاح، يُحتاج إلى أداة تفصل المصلحة المعتبرة من التحديث بالهوى. بدون هذه الضوابط، يصبح الاحتجاج بالمصلحة مدخلًا لمن يريد إلغاء أحكام الشريعة باسم «مصلحة العصر»، كما يصبح سلاحًا لمن يريد تجميد الاجتهاد بحجّة أنّ ما يسمّيه بعضهم مصلحةً وهو هوى. الضوابط تقطع الطريق على الفريقين.
6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية
ما بقي حيًّا: الإنجاز الرئيسي للفصل أنّه نقل المصلحة من وصفٍ عامّ إلى مفهوم محدود بضوابط تمييزية. بعد ابن عاشور، لم يعد يكفي أن تقول «هذا مصلحة» — عليك أن تُثبت أنّها تستوفي شرطًا من الشروط الخمسة. وهذا التحويل صار أساسًا لمن كتب بعده في تطبيقات المقاصد على القضايا المعاصرة.
كذلك التمييز بين المصلحة العامّة والمصلحة الخاصّة ثمّ بيان أنّ «معظم ما جاء فيه التشريع القرآني» يخصّ المصلحة العامّة — هذا يؤسّس لمبدأ أنّ المصلحة العامّة مقدَّمة، وهو مبدأ تبنّاه الفكر المقاصدي اللاحق.
حدوده: يبقى سؤالٌ لم يُجب عنه الفصل بوضوح: من الذي يملك سلطة تطبيق الضوابط الخمسة؟ ابن عاشور يقول «المجتهد» ويفترض أهليّته، لكنّه لا يعالج ما يحصل حين يختلف مجتهدان على تطبيق الضابط الثاني (الغلبة) أو الرابع (المرجّح). فالضوابط نقلت المسألة خطوة إلى الأمام، لكنّها لم تُلغِ إمكان الخلاف — أخّرته ولم تمنعه. وهذا حدٌّ بنيويّ في كلّ نظرية مقاصدية: المصلحة تظلّ في النهاية حكمًا اجتهاديًّا، والضوابط تضيّق هامش التحكّم لكنّها لا تلغيه.
كذلك يُلاحَظ أنّ أمثلته كلّها فقهية تقليدية (الخمر، الدية، الخطبة، الحرابة). لم يُنزل ضوابطه على مسائل عصره — الاقتصاد، التعليم، المرأة — رغم أنّ مشروعه المقاصدي يدّعي الإجابة عنها. فبقيت الضوابط أداةً نظرية تنتظر التطبيق المعاصر.
جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «بيان المصلحة والمفسدة» (شاملة 1465–1483، ج3 ص200–218).