المساواة
يؤسّس هذا الفصل لمبدأ حقوقيّ جذريّ: المساواة في التشريع هي الأصل، والتفريق بين الناس هو الاستثناء الذي يحتاج مبرّرًا. ابن عاشور لا يكتفي بإعلان المبدأ بل يبني له بنية كاملة: يُخرجه من الفطرة وعموم الشريعة، ثمّ يصنّف الحالات التي يجوز فيها الخروج عن المساواة في أربعة أصناف من الموانع (جبليّة، شرعيّة، اجتماعيّة، سياسيّة)، لكلٍّ منها شروط وحدود. والنتيجة: إطار تشريعي يجعل كلّ تمييز خاضعًا لاختبار المشروعية.
فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.
1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ الدافع وموقعه من الكتاب
يأتي الفصل بعد فصل «عموم شريعة الإسلام»، وهذا الترتيب منطقيّ: إن كانت الشريعة عامّة تخاطب البشر جميعًا، فأوّل سؤال يُطرح هو: هل تخاطبهم بالتساوي أم بالتفاوت؟ ابن عاشور يصرّح بهذه العلاقة: «من أوّل الأشياء التي تنشأ عن عموم الشريعة، ويتوقّف النظرُ فيها على تحقيق معرفة عمومها، المساواةُ بين الأمّة في تناول الشريعة أفرادها».
لكنّ المشكلة التي يعالجها ليست إثبات مبدأ المساواة — فهو بديهيّ عنده — بل «تحقيق مقدار اعتبار تلك المساواة ومقدار إلغائها». فالواقع التشريعي يتضمّن تفريقات كثيرة: بين الرجل والمرأة، بين المسلم وغيره، بين العالم والجاهل، بين الحرّ والعبد. هل هذه التفريقات تناقض المساواة أم تنسجم معها؟ الفصل يُجيب بتأسيس نظرية في «موانع المساواة» — شروطها وأصنافها وحدودها.
2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل
المساواة أصل لا يحتاج إلى إثبات، والتفريق فرعٌ يحتاج إلى مبرّر. يقول ابن عاشور بصراحة: «المساواة في التشريع أصلٌ لا يتخلّف إلّا عند وجود مانع. فلا يحتاج إثباتُ التساوي في التشريع بين الأفراد أو الأصناف إلى البحث عن موجب المساواة، بل يكتفي بعدم وجود مانع من اعتبار التساوي». هذا قلبٌ صريح لعبء الإثبات: من يريد التسوية لا يُطالب بدليل، ومن يريد التفريق هو المطالَب.
ويربط هذا الأصل بالفطرة: «بناءً على الأصل الأصيل، وهو أنّ الإسلام دين الفطرة، فكلّ ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه بين المسلمين يفرضُ فيه التساوي بينهم. وكلّ ما شهدت الفطرة بتفاوت البشرية فيه فالتشريع بمعزل عن فرض أحكام متساوية فيه». فالفطرة هي الحَكَم المزدوج: تُثبت المساواة حيث البشر متساوون، وتُثبت التفاوت حيث هم متفاوتون فعلًا.
3 السؤال والقطيعة الإشكالية المؤسِّسة
السؤال المؤسّس: كيف نوفّق بين مبدأ المساواة وبين التفريقات الموجودة فعلًا في الشريعة؟ هل المساواة مطلقة فتكون التفريقات انتهاكًا لها، أم هي نسبيّة فيكون إعلانها فارغًا؟
الموقف السائد: الفقه التقليدي يتعامل مع كلّ حكم على حدة — يُفرّق بين الرجل والمرأة في الإرث هنا، ويسوّي بينهما في العبادة هناك — دون أن يؤسّس نظرية عامّة تحكم الأصل والاستثناء. فلا تُعرف قاعدة كلّية تقول: الأصل التساوي، وكلّ تفريق يحتاج علّة مستقلّة.
ما فعله ابن عاشور: بنى إطارًا كلّيًّا يحوّل المساواة من حكم جزئيّ إلى أصل تشريعي. ثمّ صنّف الاستثناءات في نظام مرتّب — أربعة أصناف من الموانع — وأخضع كلّ مانع لشروط: أن يكون متحقّقًا لا متوهَّمًا، ودائمًا أو غالبَ الحصول، ومحدودًا بالغرض الذي اقتضاه «لا مطلقًا». فالفضائل «تمنع مساواة الفاضل للمفضول في الجزاء والمنح، ولا تمنع مساواتهما في الحقوق الأخرى». هذا تقييد حاسم: المانع يُبطل المساواة في بابه فقط.
4 كيف يعمل عقله هنا؟ البنية التصنيفية وأدوات التحليل
يتجلّى في هذا الفصل عقل تصنيفيّ منضبط. أدواته:
الأولى: التأسيس من العامّ إلى الخاصّ. يبدأ بالمبدأ الكلّي (المساواة أصل)، ثمّ ينزل إلى التقسيم. يفرز المساواة أوّلًا إلى مجاليها: تساوٍ في «الضروري» (حفظ النفس والنسب والمال والعقل والعرض والدين) حيث «لا نجد بينهم فروقًا»، وفي «الحاجي» حيث «قلّما نجد فروقًا». فالتفاوت ينحصر في ما دون ذلك.
الثانية: التصنيف الرباعي للموانع. (1) جبليّة: ما ترجع إلى أصل الخِلقة كتفاوت القدرات البدنية بين الرجل والمرأة، أو تفاوت العقول والمواهب. (2) شرعيّة: ما عيّنه التشريع مستندًا لحكمة، كمنع تعدّد الأزواج للمرأة لحفظ الأنساب. (3) اجتماعيّة: ما بناه المجتمع على مصلحته، كمنع الجاهل من التصدّي لمصالح الأمّة. (4) سياسيّة: ما تقتضيه مصلحة الدولة، كاختصاص قريش بالإمامة.
الثالثة: التقعيد الشرطي. لا يكتفي بالتصنيف بل يضع شروطًا لإعمال المانع: أن يكون «بمقدار تحقّقه وبمقدار دوامه أو غلبة حصوله»، وأن يكون «في الغرض الذي من حقّها أن تمنع المساواة فيه لا مطلقًا». ثمّ يضيف شرطًا ثالثًا مهمًّا: «ما كان منها خفيًّا حصولُه لا ينبغي مراعاته إلّا بعد التجربة». أي أنّ المانع المفترض لا يكفي — يجب أن يثبت تجريبيًّا.
5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الحوار مع التراث ومع العصر
مع التراث: ابن عاشور لا يُلغي التفريقات الفقهية الموروثة بل يُعيد ترتيبها. يقبل أنّ المرأة لا تتولّى إمارة الجيش عند «جميع العلماء»، لكنّه يربط ذلك بـ«ما تقصر فيه عنه بموجب أصل الخلقة» — أي يجعله مشروطًا بعلّة قابلة للمحاكمة لا مطلقًا. وينقل خلاف الطبري في القضاء وقول أبي حنيفة بجوازه فيما تجوز فيه شهادتها — فيُظهر أنّ التراث نفسه لم يكن مجمعًا على كلّ تفريق.
والأهمّ ملاحظته أنّ بعض الموانع «ليس في الحقيقة بمانع، ولكنّه حالٌ تعذّرت فيها أسباب المساواة» — كالصحابة الذين فاتت مزيّتهم بموتهم. هذا تمييز بين مانع حقيقي وغياب شرط — وهو يفتح الباب لمراجعة ما ظُنّ موانع ثابتة فإذا هي أحوال زائلة.
مع العصر: في سياق الإصلاح العثماني والأوروبي، كان سؤال المساواة بين المسلمين وغيرهم وبين الرجال والنساء سؤالًا سياسيًّا حارقًا. ابن عاشور لا يتبنّى المساواة المطلقة على النمط الأوروبي ولا يرفضها كلّيًّا. يضع إطارًا وسطيًّا: مساواة في الحقوق الأساسية مع تفريقات مشروطة ومبرّرة. وعبارته «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» — التي ينسبها للنبيّ في شأن أهل الذمّة — تؤسّس لمواطَنة مشروطة بالتبعية لنظام واحد.
6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية
ما بقي حيًّا: الإنجاز المنهجي صمد: قلب عبء الإثبات (الأصل المساواة، والمفرِّق يبرّر) صار مبدأً مقبولًا في الفكر المقاصدي المعاصر. وتصنيف الموانع وتقييدها بشروط أعطى أداةً لمحاكمة كلّ تفريق على حدة بدل قبوله أو رفضه جملة. كذلك شرط أنّ المانع يمنع «في الغرض الذي من حقّه» فقط — لا يمتدّ إلى حقوق أخرى — صار أداة نقدية فعّالة لمن يريد تضييق التمييز.
حدوده: يبقى التوتّر بين الإطار النظري وتطبيقاته. ابن عاشور يُقرّ بموانع «جبليّة دائمة» في شأن المرأة (إمارة الجيش، الخلافة)، لكنّ معيار «الجبلّة» نفسه خاضع للنقاش: هل عجز المرأة عن القيادة العسكرية أمر جِبلّي أم اجتماعي تاريخي؟ الفصل لا يُجيب عن هذا السؤال لأنّه يقبل «أصل الخلقة» كمعطى لا كمحلّ بحث.
كذلك الموانع «السياسية» — كاختصاص قريش بالإمامة — يُقرّها ابن عاشور استنادًا إلى الحديث والإجماع، رغم أنّ إطاره النظري نفسه يقتضي محاكمتها: هل «مصلحة الدولة» تقتضي فعلًا حصر القيادة في نسب واحد؟ الإطار أقوى من بعض تطبيقاته — وهذا حدٌّ يتكرّر: المبادئ التي وضعها ابن عاشور تسمح بمراجعات لم يجرؤ هو على إجرائها.
جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «المساواة» (شاملة 1544–1556، ج3 ص279–291).