قراءة تحليلية · القسم الثاني من مقاصد الشريعة

قابلية الأحكام للقياس

الفصل الرابع عشر من المقاصد العامّة · صفحات 313–316 من الجزء الثالث

4صفحات
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

هذا الفصل القصير يُثبت مبدأً منهجيًّا حاسمًا: الأصل في جميع الأحكام الشرعية أنّها قابلة للقياس — لأنّها مبنيّة على علل ومعانٍ . وما لا يقبل القياس (التعبّدي المحض) استثناء «يجب أن يكون قليلًا جدًّا». ثمّ يميّز ثلاث مراتب للعلل: علل فرعية قريبة (كالإسكار)، ومقاصد قريبة (كحفظ العقل)، ومقاصد عالية (المصلحة والمفسدة). ويُثبت ذلك بتصرّفات الصحابة أنفسهم — كقياس أبي بكر الجدّة للأب على الجدّة للأمّ.

فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها

يأتي مباشرة بعد فصل نوط الأحكام بمعانٍ لا بأسماء، وهذا الترتيب ليس عرضيًّا. إذا كانت الأحكام مناطة بمعانٍ وأوصاف، فالنتيجة الطبيعية أنّ كلّ حكمٍ يشترك في علّته مع غيره يجري عليه القياس . الفصل يُثبت هذه النتيجة ويردّ على من يُضيّق دائرة القياس.

المشكلة التي يعالجها ليست إثبات مشروعية القياس — فذاك متّفق عليه جملةً — بل تحديد نطاقه الأصيل. فريق من الفقهاء يُخرج طائفة كبيرة من الأحكام (الحدود، الكفارات، الرخص، العبادات) عن دائرة القياس. ابن عاشور يعترض: هذا الإخراج يجعل من الاستثناء أصلًا، وينقلب المنطق الصحيح رأسًا على عقب.

2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل

القياس هو الأصل، وعدمه هو الاستثناء. هذا هو الخيط. يقوله صريحًا: «الأصل في الأحكام الشرعية كلّها قبول القياس عليها، ما قامت منها معانٍ ملحوظة للشارع. فيجب أن تكون أنواع الأحكام التي لا يجري في مثلها القياس قليلة جدًّا». هذا قلبٌ للموقف الذي يحصر القياس في نطاق ضيّق.

والمسوّغ المنطقي واضح: إن كانت الأحكام مبنيّة على العلل والمقاصد — وهذا ما أثبته الفصل السابق — فمعنى ذلك أنّ الحكم تابعٌ لمعناه لا لصورته. وإذا وُجد المعنى في محلٍّ آخر وجب جريان الحكم عليه. هذا هو جوهر القياس.

3 السؤال والقطيعة الإشكالية المؤسِّسة

السؤال المؤسّس: هل القياس يجري في الحدود والكفارات والرخص؟ الخلاف معروف — أبو حنيفة يمنعه فيها. ابن عاشور ينحاز إلى موقف الشافعي الذي يُجريه حتى فيها. والسبب مقاصدي: ما دامت هذه الأحكام مبنيّة على حكم معقولة فالقياس عليها ممكن. وإنّما اتّفقوا على منعه في «أصول العبادات» فقط — لأنّها تعبّدية محضة.

القطيعة مع الموقف الحنفي: عند أبي حنيفة، الحدود والكفارات استثناءات عقوبية تقوم على الزجر المجرّد، لا على علل معقولة تامّة — فلا يُقاس عليها. ابن عاشور يردّ: حتى الحدود فيها حكمة معقولة (حفظ النفس، حفظ المال...)، وما قامت له حكمة معقولة أمكن استخراج علّته والقياس عليها. فالمنع الحنفي يُفضي إلى تجميد باب واسع من الاجتهاد.

4 كيف يعمل عقله هنا؟ الأدوات والبرهان

يستعمل ابن عاشور أداتين متكاملتين:

الأولى: التمييز بين ثلاث مراتب للعلل. علل فرعية قريبة كالإسكار (علّة تحريم الخمر)، ومقاصد قريبة كحفظ العقل (المقصد الذي من أجله حُرّم الإسكار)، ومقاصد عالية كدفع المفسدة وجلب المصلحة (الإطار الكلّي الذي يحكم الجميع). هذا التدريج يفسّر لماذا يختلف الفقهاء: من ينظر للعلّة الفرعية يقيس ضيّقًا، ومن ينظر للمقصد القريب يقيس أوسع، ومن ينظر للمقصد العالي يقيس أوسع. المراتب الثلاث ليست بديلة بل متضافرة.

الثانية: الاستشهاد بالصحابة. أبو بكر قاس الجدّة للأب على الجدّة للأمّ بإشارة أنصاريّ — فأعطاها السدس. وعمر قاس في الاشتراك في السدس. فالقياس ليس اختراعًا متأخّرًا بل ممارسة صحابية راسخة. وهذا يكسر الحجّة القائلة بأنّ توسيع القياس بدعة أصولية — إذ هو في جذوره عمل الصحابة الأوائل.

5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الأثر والموقع

مع التراث: التوسيع المقاصدي للقياس يتجاوز قياس العلّة الضيّق إلى ما يمكن تسميته «قياس المقصد» — حيث المقصد الكلّي هو الجامع لا العلّة الجزئية. الأصوليّون المتقدّمون عرفوا القياس في معنى الأصل و«قياس الأولى»، لكنّهم بقوا في إطار العلّة الجزئية. ابن عاشور يفتح مستوىً أعلى: الجامع قد يكون مقصدًا عامًّا كحفظ الضروريّات أو دفع المفاسد. وهذا يفتح آفاقًا للاجتهاد في المستجدّات التي لا نظير جزئيًّا لها في الفقه القديم.

مع العصر: في عصر تتكاثر فيه المسائل التي لا نظير لها في الفقه القديم — في المعاملات المالية والطبّ والتقنية — توسيع دائرة القياس من الفروع الجزئية إلى المقاصد الكلّية ضرورة عملية لا ترف نظري. الفقيه الذي لا يملك إلّا قياس العلّة الضيّق سيجد أمامه أبوابًا موصدة في كلّ مسألة مستحدثة. الفقيه المقاصدي يملك مفتاحًا أكثر مرونةً.

6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية

ما بقي حيًّا: المبدأ (الأصل القياس) صار مقبولًا في الفكر المقاصدي المعاصر. وتمييز المراتب الثلاث للعلل صار أداة منهجية مُستعملة في البحث الأصولي المعاصر لتنظيم الخلاف الفقهي وتفسيره. والاستشهاد بالصحابة وطّد الشرعية التاريخية لقياس المقصد.

حدوده: الفصل مقتضَب (4 صفحات) ولا يُفصّل ضوابط «قياس المقصد» — كيف تقيس على مقصد عالٍ دون أن تنفلت من ضبط العلّة؟ هذا سؤال تركه مفتوحًا. والتمييز بين المراتب الثلاث للعلل نظريّ أكثر ممّا هو عمليّ — إذ لا يضع معيارًا لمتى ننتقل من مرتبة إلى أخرى: متى تنظر للإسكار ومتى ترتفع لحفظ العقل ومتى تصعد للمصلحة الكلّية؟ الجواب غائب. وغيابه يفتح الباب لاستعمال المقاصد العالية ذريعةً لاستنتاجات لم تقم دليلًا جزئيًّا عليها.

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل قابلية الأحكام للقياس (شاملة 1578–1581، ج3 ص313–316).