قراءة تحليلية · القسم الثاني من مقاصد الشريعة

الرخصة

الفصل التاسع عشر من المقاصد العامّة · صفحات 357–363 من الجزء الثالث

7صفحات
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

يعيد هذا الفصل بناء مفهوم الرخصة بناءً مقاصديًّا. الفقهاء لا يمثّلون إلّا بالرخصة الفردية الموقّتة (كأكل الميتة عند الاضطرار). ابن عاشور يكتشف أنّ هناك ثلاثة أنواع: ضرورة خاصّة موقّتة (ما عرفه الفقهاء)، وضرورة عامّة مطّردة (كالسَّلَم والمساقاة — صارت تشريعًا دائمًا)، وضرورة عامّة موقّتة — وهذا النوع الثالث هو إضافته الأصلية: حين تعرض ضرورة للأمّة كلّها تقتضي تغيير حكم مؤقّتًا لتحقيق مقصد شرعي كسلامة الأمّة. ويستند في هذا على مفهوم السماحة ويستشهد بـالعز بن عبد السلام .

فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ المشكلة وموقعه

يصرّح ابن عاشور بأنّه وجد «بعض أنواع الرخص مغفولًا عن التعرّض لها». الفقهاء حصروا الرخصة في رخصة الفرد المضطرّ. لكنّ النظر المقاصدي يقتضي توسيع المفهوم: إذا كانت الرخصة ترجع إلى عروض المشقّة والضرورة، فلماذا لا ننظر إلى عموم الضرورة وخصوصها؟ ماذا عن ضرورة تعرض لأمّة كاملة؟ هذا سؤال لم يُطرح بهذا الوضوح قبله.

2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة

الرخصة تتبع الضرورة — والضرورة ليست فردية دائمًا. هذا هو الخيط. ابن عاشور يقسّم الضرورة أوّلًا إلى عامّة وخاصّة، ثمّ يقسّم كلًّا منهما إلى مطّردة وموقّتة. فتنتج ثلاثة أنواع:

(1) ضرورة عامّة مطّردة — كالسَّلَم والمغارسة والمساقاة: فيها ضرر محتمل لكنّ حاجة الأمّة الدائمة إليها جعلتها تشريعًا مستقرًّا.

(2) ضرورة خاصّة موقّتة — كأكل الميتة: يعرفها الفقهاء.

(3) ضرورة عامّة موقّتة — النوع المغفول: حين يعرض اضطرار للأمّة يقتضي تغيير حكم مؤقّتًا.

3 السؤال والقطيعة الإشكالية

السؤال: هل يجوز تغيير حكم شرعي ثابت لضرورة جماعية مؤقّتة؟ الجمهور لا يناقش هذا لأنّهم يحصرون الرخصة في الفرد. ابن عاشور يُثبت: «اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصّة» — لأنّ ما يحفظ الأمّة أَولى ممّا يحفظ الفرد.

ويستشهد بـالعز بن عبد السلام : «المصلحة العامّة كالضرورة الخاصّة». ويمثّل: إحكار الأوقاف حين زهد الناس في كرائها (فتوى ابن سراج وابن منظور)، وبيع الوفاء في بخارى لحاجة الغارسين.

4 كيف يعمل عقله هنا؟ الأدوات

أداتان. الأولى: التصنيف المنطقي بمحورين — عموم/خصوص وإطراد/توقيت — ينتج ثلاثة أنواع بدل واحد. الثانية: الاستشهاد التاريخي المقارن — يأخذ أمثلة من الأندلس (ابن سراج، ق9هـ) ومصر (اللقاني، ق10هـ) وبخارى (الحنفية) ليُثبت أنّ الفقهاء مارسوا هذا النوع من الرخصة عمليًّا وإن لم يُنظّروا له.

والشاطبي أشار إلى أنّ الرخصة «مستمدّة من قاعدة رفع الحرج» لكنّه لم يفصّل الأنواع الثلاثة.

5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الأثر

مع التراث: وسّع مفهوم الرخصة من أداة فردية إلى أداة تشريعية جماعية. هذا يفتح باب الاستجابة لأزمات الأمّة بتغيير مؤقّت دون إلغاء الحكم الأصلي.

مع العصر: في عصر التقنين والإصلاح، يُعطي هذا النوع الثالث مبرّرًا فقهيًّا لقوانين استثنائية مؤقّتة (كتأميم أوقاف، أو تغيير نظام ميراث في ظرف خاصّ) دون أن يكون ذلك إلغاءً للشريعة — بل رخصة جماعية مشروطة بزوال الضرورة.

6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ النقد

ما بقي: المفهوم نفسه صار أداة في الفقه المعاصر لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

حدوده: الفصل قصير (7 صفحات) ولا يضع ضوابط كافية للنوع الثالث. من يقرّر أنّ ضرورة عامّة قد حلّت؟ ومتى تنتهي الرخصة وتعود العزيمة؟ ابن عاشور يقول «ما يناسبه من الأحكام» دون تفصيل. وهذا يفتح بابًا قد يُساء استعماله: كلّ سلطة قد تدّعي «ضرورة عامّة» لتعطيل أحكام لا تريدها.

الضابط الوحيد الذي يُقدّمه (عبر العز بن عبد السلام ): أنّ المصلحة العامّة كالضرورة الخاصّة — تُبيح بقدرها فقط «ولا يُتبسط في هذه الأموال كما يُتبسط في المال الحلال».

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «الرخصة» (شاملة 1622–1628، ج3 ص357–363).