قراءة تحليلية · القسم الثاني من مقاصد الشريعة

سد الذرائع

الفصل السادس عشر من المقاصد العامّة · صفحات 335–342 من الجزء الثالث

8صفحات
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

سدّ الذرائع من أشهر أدوات الفقه المالكي، لكنّ ابن عاشور لا يكتفي بعرضه كقاعدة مذهبية بل يدمجه في نظرية المقاصد. يُرجعه إلى أصل واحد: التوازن بين مصلحة الفعل ومفسدة مآله. ثمّ يجعله مرنًا — «قابلًا للتضييق والتوسّع بحسب ضعف الوازع في الناس وقوّته» — فيربطه بنظرية الوازع. ويحذّر من الخلط بينه وبين الغلو في الدين: سدّ الذريعة يحمي من مفسدة واقعية، أمّا الغلو فمبالغة لا مبرّر لها.

فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه والمشكلة

يأتي بعد فصل «التحيّل على إظهار العمل في صورة مشروعة» ويكمّله. التحيّل يعالج من يتعمّد تحويل الحرام إلى صورة حلال، وسدّ الذرائع يعالج ما يؤول إلى فساد دون قصد أو مع قصد. ابن عاشور يضع ثلاثة فروق بينهما: العموم والخصوص، القصد وعدمه، وأنّ الحيل تبطل مقصدًا شرعيًّا دائمًا بينما الذرائع قد لا تكون مبطلة.

المشكلة التي يعالجها: متى يجب سدّ الذريعة ومتى لا يجب — إذ القرافي قسّمها ثلاثة أقسام لكنّه «لم يبحث عن وجوب الاعتداد ببعض هذه الذرائع دون بعض».

2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة

الميزان هو التوازن بين مصلحة الأصل ومفسدة المآل — مع اعتبار حاجة الأمّة. يقول: «ما هو عندي إلّا التوازنُ بين ما في الفعل من المصلحة وما في مآله من المفسدة». ويضيف عاملين: حاجة الأمّة إلى الذريعة (لو أُبطلت لحق الناس حرج)، وإمكان حصول المفسدة بوسيلة أخرى.

فزراعة العنب مباحة رغم أنّها ذريعة للخمر، لأنّ في منعها حرمانًا لا يناسب سماحة الشريعة. والتجاور في البيوت أَولى بالإباحة لأنّ منعه حرج عظيم ومآله (الزنا) بعيد.

3 السؤال والقطيعة الإشكالية

السؤال: ما ضابط الذريعة التي يجب سدّها؟ القرافي قسّم ولم يضبط. ابن عاشور يضبط: الذريعة نوعان — ما لا يفارقه كونه ذريعة (مآله الفساد مطّرد كالخمر)، وما يتخلّف مآله.

الأوّل أصل تشريعي منصوص. الثاني مجال اجتهاد يتبع «مقدار اتضاح الإفضاء إلى المفسدة وخفائه، وكثرته وقلّته، ووجود معارض وعدمه، وتوقيت الإفضاء ودوامه». هذا التفصيل لم يسبقه إليه أحد بهذا الوضوح.

4 كيف يعمل عقله هنا؟ الأدوات

الأداة الأولى: الإرجاع إلى أصل مقاصدي واحد — تعارض المصالح والمفاسد — بدل تركها قاعدة مستقلّة. هذا يُدخل سدّ الذرائع في النظام المقاصدي ويمنعه من التحوّل إلى تحريم عشوائي.

الأداة الثانية: التمييز الدقيق بين سدّ الذرائع والغلو — «فسدّ الذريعة موقعه وجود المفسدة، والغلوّ موقعه المبالغة في إلحاق مباح بمأمور أو منهيّ شرعي بدعوى خشية التقصير». هذا التمييز عمليّ وحاسم: يمنع التوسّع غير المبرّر باسم الاحتياط.

5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الأثر

مع التراث: القرافي صنّف الذرائع ثلاثة أقسام ولم يضبط. مالك أعمل سدّ الذرائع لكنّ كثيرًا من أتباعه لم يفهموا دقائقه — ابن عاشور يدّعي أنّه أوّل من فهم نكتة مالك في بيوع الآجال: المنع ليس لقصد الشخص بل لأنّ فشوّ القصد جعل مآل الفعل مقصودًا فاستُحلّ به المحرّم.

مع العصر: ربط سدّ الذرائع بـالوازع يعني أنّه قد يُخفَّف في مجتمع قويّ الوازع ويُشدَّد في مجتمع ضعيفه — وهذا يمنح المفتي مرونة واقعية.

6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ النقد

ما بقي: إرجاع سدّ الذرائع إلى قاعدة تعارض المصالح صار مقبولًا في الفقه المعاصر. والتفريق بينه وبين الغلو أداة نقدية حيّة ضدّ التشدّد غير المبرّر.

حدوده: ربطه بالوازع يُدخل تقديرًا ذاتيًّا — من يقدّر ضعف الوازع؟ وتنبيهه الأخير حاسم لكنّه مقتضَب: «يجب على المستنبطين والمفتين أن يتجنّبوا مواقع الغلو والتعمّق في حمل الأمّة على الشريعة. وهو موقف عظيم» — عبارة تحتاج تفصيلًا لم يقدّمه.

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «سد الذرائع» (شاملة 1600–1607، ج3 ص335–342).