السماحة أول أوصاف الشريعة
يعالج هذا الفصل القصير مفهومًا محوريًّا في بنية الكتاب: السماحة . لكنّ ابن عاشور لا يعرضها كما يفهمها العامّة — تسهيلٌ أو تخفيف — بل يعيد تعريفها: السماحة سهولة المعاملة في اعتدال، وسطٌ بين التضييق والتساهل. ثمّ يربطها ربطًا بنيويًّا بـالفطرة : لمّا كانت الشريعة دين الفطرة، والفطرة تنفر من الإعنات، لزم أن تكون السماحة وصفًا ذاتيًّا لها لا رخصة طارئة. وبهذا يجعل اليسر مقصدًا عامًّا حاكمًا على التشريع كلّه.
فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.
1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها
يأتي هذا الفصل بعد فصل الفطرة مباشرة، وهذا الترتيب ليس عرضيًّا. ابن عاشور أسّس في الفصل السابق أنّ الشريعة مبنيّة على الفطرة، ثمّ يحتاج هنا إلى استخراج أوّل لازمٍ عمليّ من هذا التأسيس: إن كانت الشريعة فطرية، فما الوصف الأوّل الذي يتّصف به تشريعها؟ جوابه: السماحة.
والمشكلة التي يعالجها ليست غياب السماحة من الخطاب الشرعي — فالنصوص فيها كثيرة ومعروفة — بل عدم ضبطها مفهوميًّا. السماحة في الاستعمال الشائع تُفهم إمّا كتخفيف استثنائي (مرادفة للرخصة)، أو كتساهل مفتوح. ابن عاشور يريد تصحيح الفهمين: هي ليست رخصة لأنّها وصفٌ عامّ دائم لا استثناء، وليست تساهلًا لأنّها مقيّدة بالاعتدال. فالفصل يؤسّس السماحة مقصدًا حاكمًا لا يحتاج إلى مبرّر خاصّ في كلّ حالة.
2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل
السماحة = الاعتدال، لا التسهيل. هذا هو الخيط. يقوله في السطر الأوّل: «السماحة: سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل. وهي راجعة إلى معنى الاعتدال، والعدل، والتوسط». فالسماحة ليست طرفًا مقابلًا للتشدّد، بل هي الوسط الذي يرفض الطرفين معًا: التضييق (الذي مارسه أهل الكتاب حتى شدّد الله عليهم) والتساهل (الذي يُفقد الأحكام معناها).
ويوضّحها بعبارة حاسمة: «السماحة السهولة المحمودة فيما يظنّ الناس التشديد فيه. ومعنى كونها محمودة أنّها لا تفضي إلى ضرّ أو فساد». فشرط المحمودية يمنع الانزلاق من السماحة إلى الإباحية — سهولة نعم، لكن مشروطة بعدم الإفضاء إلى الفساد.
3 السؤال والقطيعة الإشكالية المؤسِّسة
السؤال المؤسّس: ما مرتبة اليسر في بنية الشريعة؟ هل هو وصفٌ لازم لها أم استثناء يُلجأ إليه عند الضرورة؟
الرأي السائد: جمهور الأصوليّين يعاملون رفع الحرج كقاعدة فرعية تُستدعى عند المشقّة غير المعتادة. الشاطبي ذهب أبعد فصرّح بأنّ «الأدلّة على رفع الحرج في هذه الأمّة بلغت مبلغ القطع»، لكنّه عالجها في سياق «الموانع» — أي ما يمنع تكليف المشقّة — فبقيت عنده قاعدةً سلبية: تنفي الحرج ولا تُنشئ وصفًا إيجابيًّا.
ما فعله ابن عاشور: نقل السماحة من قاعدة «رفع الحرج» (سلبية، استثنائية) إلى مقصد عامّ إيجابي: الشريعة سمحة بطبيعتها لأنّها فطرية. «حكمة السماحة في الشريعة أنّ الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة. وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلّة». فالسماحة ليست تخفيفًا عن أصل ثقيل، بل هي الأصل نفسه. والتشديد هو الشاذّ الذي يحتاج تبريرًا.
4 كيف يعمل عقله هنا؟ الأدوات والبرهان
يستعمل ابن عاشور في هذا الفصل القصير ثلاث أدوات مترابطة:
الأولى: التأسيس الفلسفي. يبدأ بربط السماحة بنظرية الأخلاق عند «أساطين حكمائنا» — الوسط الأرسطي بين الإفراط والتفريط. لا يسمّي أرسطو لكنّ المرجعية واضحة: «اتّفقوا على أنّ قوام الصفات الفاضلة هو الاعتدال، أي التوسّط بين طرفي الإفراط والتفريط». بهذا يمنح السماحة عمقًا عقليًّا يتجاوز الاستدلال النصّي.
الثانية: الاستقراء النصّي الكثيف. يحشد آيات وأحاديث بكثافة عالية — لا ليُثبت حكمًا واحدًا بل ليُثبت أنّ المجموع بلغ «مبلغ القطع». يستعمل التواتر المعنويّ: لا نصّ واحد يُفيد القطع، لكنّ مجموع «يريد الله بكم اليسر» و«ما جعل عليكم في الدين من حرج» و«أحبّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة» و«إنّما بُعثتم ميسّرين» يُفيده.
الثالثة: الربط السببي بالفطرة. الأداة الحاسمة: السماحة ليست حكمًا تعبّديًّا معزولًا بل نتيجة منطقية لكون الشريعة فطرية. «أراد الله أن تكون شريعة الإسلام شريعة عامّة ودائمة، فاقتضى ذلك أن يكون تنفيذها بين الأمّة سهلًا. ولا يكون ذلك إلّا إذا انتفى عنها الإعنات». العموم والدوام يستلزمان السماحة — شريعة تشقّ على الناس لا تدوم ولا تنتشر.
5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الأثر والموقع
مع التراث: ابن عاشور يعترف بأنّ الشاطبي سبقه إلى إثبات القطعية في رفع الحرج، ونقل عنه نصًّا صريحًا. لكنّه يُغيّر الموقع المنطقي للمفهوم: عند الشاطبي، رفع الحرج تحت عنوان «الموانع» — أي ما يعطّل الحكم عند المشقّة. عند ابن عاشور، السماحة تحت عنوان «أوصاف الشريعة» — أي ما يصف طبيعتها الأصلية. الفرق ليس لفظيًّا: «مانع» يعني أنّ الأصل التكليف والمشقّة مُخفِّفة؛ «وصف» يعني أنّ الأصل اليسر والتشديد هو الطارئ.
مع العصر: في سياق الإصلاح الذي عاشه ابن عاشور، كان فريقٌ يحتجّ بأنّ الشريعة صارمة لا تصلح للعصر، وفريقٌ يدافع بأنّ صرامتها فضيلة. تأسيس السماحة مقصدًا حاكمًا يقطع الحجّتين: الشريعة ليست صارمة في أصلها (ردّ على المشنّعين)، والتشدّد مخالفٌ لمقصدها لا موافقٌ له (ردّ على المتشدّدين). ولعلّ ربطه بانتشار الشريعة ودوامها يُفصح عن هاجسه الحقيقي: إثبات صلاحية الإسلام للبقاء حيًّا في مجتمع متغيّر.
6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية
ما بقي حيًّا: التأسيس النظري صمد. صار مفهوم «مقاصدية اليسر» — أي أنّ التيسير مقصد شرعي لا مجرّد قاعدة فرعية — من المسلّمات في الفكر المقاصدي المعاصر. وصارت عبارة «أحبّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة» تُستدعى في كلّ نقاش إصلاحي كدليل على أنّ التجديد ليس خروجًا عن الشريعة بل استجابة لمقصدها.
حدوده: الفصل قصير (6 صفحات) ولا يُفصّل في السؤال الأصعب: أين ينتهي التيسير ويبدأ التفريط؟ ابن عاشور يشترط أنّ السماحة «لا تفضي إلى ضرّ أو فساد»، لكنّه لا يُقدّم معيارًا عمليًّا لهذا الشرط هنا — يُحيل ضمنيًّا إلى فصل المصلحة لاحقًا. فمن قرأ هذا الفصل وحده وجد مبدأً قويًّا بلا أداة تطبيقية كافية. وهذا يفسّر لماذا يُحتجّ بالسماحة في اتجاهين متناقضين: كلّ فريق يدّعي أنّه «الوسط» وأنّ خصمه «الطرف»، والفصل لا يقدّم حكمًا فاصلًا.
كذلك يُلاحَظ أنّ ربط السماحة بالفطرة — رغم تماسكه المنطقي — يتوقّف على قبول مفهوم الفطرة نفسه بالمعنى الذي حدّده ابن عاشور. ومن لم يقبل تعريفه للفطرة يسقط عنده الأساس الذي بُنيت عليه السماحة كمقصد.
جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «السماحة أول أوصاف الشريعة» (شاملة 1453–1458، ج3 ص188–193).