قراءة تحليلية · القسم الثاني من مقاصد الشريعة

مقصد الشريعة تغيير وتقرير

الفصل الثاني عشر من المقاصد العامّة · صفحات 297–305 من الجزء الثالث

9صفحات
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

يعالج هذا الفصل سؤالًا حيويًّا: هل غيّرت الشريعة كلّ ما كان قبلها أم أقرّت بعضه؟ جواب ابن عاشور: كلاهما. غيّرت ما خالف الفطرة والمصلحة، وأقرّت ما وافقهما — حتى من عادات الجاهلية. فالتقرير ليس ضعفًا بل حكمة: ما كان صالحًا لا يُغيَّر لمجرّد أنّه جاهلي.

فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها

بعد إثبات المقاصد وأوصاف الشريعة، يحتاج ابن عاشور إلى بيان علاقة الشريعة بما سبقها من عادات وتشريعات — هل هي محو كامل أم انتقاء؟ الفصل يُجيب: انتقاء مبنيّ على معيار المصلحة والفطرة. المشكلة العملية التي يعالجها: الخلط بين ما هو شرعيّ أصيل وما هو عرفيّ موروث، وبين ما يجب تغييره وما يجب تقريره.

2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل

الشريعة تُقرّر ما وافق الفطرة وتغيّر ما خالفها — المعيار الفطرة والمصلحة لا القِدَم والجِدّة. هذا يعني أنّ لا قداسة لشيء بسبب قِدَمه، ولا رفض لشيء بسبب جاهليّته. كلّ عادة وكلّ حكم يُحاكَم بمعيار واحد: هل يوافق الفطرة ويجلب المصلحة؟ إن نعم، يُقرّر؛ وإن لا، يُغيَّر.

3 السؤال والقطيعة الإشكالية المؤسِّسة

يردّ ابن عاشور على فريقين متناقضين: الأوّل من يرفض كلّ ما هو جاهليّ ويدّعي أنّ الشريعة جاءت بتغيير مطلق — وهذا يتعارض مع الواقع التاريخيّ (الحجّ، الدية، كثير من أحكام العقود). الثاني من يتمسّك بكلّ ما هو موروث بحجّة التقرير والاستمرار — وهذا يُجمّد التشريع ويمنع التغيير الواجب.

القطيعة مع الفريقين: استبدال معيار جاهليّ أو إسلاميّ بمعيار ما يوافق الفطرة والمصلحة وما لا يوافقهما. المرجع ليس الزمن بل الوظيفة.

4 كيف يعمل عقله هنا؟ الأدوات والبرهان

يُمثّل بأمثلة تاريخية ملموسة تُثبت المبدأ: الحجّ أُقرّ لأنّه وافق الفطرة والتوحيد؛ الربا غُيّر لأنّه خالف العدل والمصلحة؛ الدية أُقرّت مع تعديل في مقدارها وشروطها؛ بعض المحرّمات في النكاح (كالجمع بين الأختين) أُقرّ تحريمها لموافقته الفطرة . كلّ حالة تُحاكَم بمعيار المصلحة لا بمعيار الأصل الجاهليّ أو الإسلاميّ.

الأداة المنهجية: التفريق بين «مُقرَّر» أي ما وجد فأُقرّ، و«مُشرَّع» أي ما أنشأته الشريعة ابتداءً. وهذا التفريق يفتح باب الاجتهاد في الأوّل ويُحكم الثابت في الثاني.

5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الأثر والموقع

يفتح الفصل باب التمييز بين ما هو شرعيّ ثابت وما هو عرفيّ قابل للتغيّر — وهذا أداة حيّة للاجتهاد المعاصر. كلّ سؤال عن «هل يجوز تغيير هذا الحكم بتغيّر الأحوال؟» يحتاج أوّلًا إلى هذا التمييز: هو مُقرَّر قابل للمراجعة، أم مُشرَّع ثابت؟

الأثر العملي: تحرير الفقيه من ثقل التراث المتراكم. ليس كلّ ما فعله الفقهاء تشريعًا ثابتًا؛ كثيرٌ منه تقرير لعادات كانت صالحة في زمنها وقد تحتاج إعادة نظر في زمن آخر.

6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية

ما بقي حيًّا: المبدأ الجوهريّ صمد وأثّر في الفكر المقاصديّ المعاصر: لا تغيير مطلق ولا تقرير مطلق، والمعيار المصلحة والفطرة لا الزمن. وهذا يمنح الفقيه مرونة حقيقية بلا انفلات.

حدوده: لم يضع ابن عاشور في هذا الفصل معيارًا دقيقًا للتفريق بين «مُقرَّر» قابل للتغيير بتغيّر العرف، و«مُشرَّع» ثابت لا يُقاس عليه العرف. وهذا السؤال لا يزال حيًّا: متى يصبح المُقرَّر ثابتًا بتكرار التطبيق؟ ومتى يتحوّل المُشرَّع إلى مُقرَّر لعلّة انتهت؟ الفصل يفتح الباب ولا يُغلقه.

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل مقصد الشريعة تغيير وتقرير (شاملة 1562–1570، ج3 ص297–305).