قراءة تحليلية · القسم الثاني من مقاصد الشريعة

التحيّل على العمل في صورة مشروعة

الفصل الخامس عشر من المقاصد العامّة · صفحات 317–335 من الجزء الثالث

18صفحات
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

يعالج هذا الفصل الطويل (18 صفحة) ظاهرة خطيرة: استعمال صيغ شرعية ظاهرها حلال لإبطال مقصد شرعي. ابن عاشور يميّز بدقّة بين التحيّل (مذموم — إبراز الممنوع في صورة الجائز)، والتدبير (مشروع — السعي المباح لتحقيق غاية مباحة)، والحرص (مباح — كالذي يدبّ راكعًا ليلحق الصفّ)، والورع (مستحبّ — كمن يتّخذ موقظًا للفجر). ثمّ يعرض أحكام الحيل عند المذاهب وموقف ابن تيمية وابن القيم .

فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها

يسبق هذا الفصل فصلَ سدّ الذرائع ويكمّله — التحيّل فعل فردي قصديّ، والذرائع أمر عامّ. فإذا كان سدّ الذرائع يعالج الطرق المؤدّية إلى الفساد من حيث طبيعتها العامّة، فإنّ التحيّل يعالج النيّة الفردية التي تقصد التحايل على الحكم مع الحفاظ على ظاهر المشروعية. وهذا يجعله أدقّ وأخطر: الذريعة قد تكون بلا قصد، أمّا الحيلة فلا تكون إلّا بقصد.

المشكلة التي يعالجها الفصل: الفقه الكلاسيكي اختلف اختلافًا حادًّا في الحيل — فالحنفية أوسعها، والمالكية والحنابلة أضيقها — دون أن يُقدَّم إطار مقاصدي جامع يفصل في المسألة. ابن عاشور يبني هذا الإطار.

2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل

التحيّل مذموم لأنّه يُبطل مقصد الشارع مع الحفاظ على شكل الشرعية — خداع بالصورة. هذا هو الخيط الجوهري. ابن عاشور لا يُحرّم الحيلة لمجرّد أنّها حيلة، بل لأنّ الحيلة المذمومة تحديدًا هي التي تُفضي إلى إبطال مقصد شرعي. فالمعيار مقاصدي لا شكلي.

ويترتّب على ذلك أنّ من يستعمل صيغة شرعية لتحقيق غاية مشروعة — وإن بدا في صورة «حيلة» — فليس متحيّلًا بالمعنى المذموم. والعكس: من يستعمل صيغة ظاهرها صحيح لإبطال حقّ أو تحليل محرّم فهو متحيّل وإن لم يسمّ فعله حيلة.

3 السؤال والقطيعة الإشكالية المؤسِّسة

التمييز الرباعي (تحيّل / تدبير / حرص / ورع) يسدّ ثغرة كبيرة في الفقه. قبل ابن عاشور، كان النقاش الفقهي يدور حول قطبين: الحيلة مباحة أم محرّمة؟ وهذا الإطار الثنائي يُوقع في إشكالات: فقد يُلحق بالحيلة المذمومة ما هو تدبير مشروع، أو يُدافع عن الحيلة المذمومة بأنّها «مجرّد تدبير».

الرباعية التي يقدّمها ابن عاشور تكسر هذا الثنائي: تحيّل (مذموم) / تدبير (مشروع) / حرص (مباح) / ورع (مستحبّ). كلّ واحد له حدّه الخاصّ، والمعيار الفاصل دائمًا: هل يُبطَل مقصدٌ شرعي أم لا؟

4 كيف يعمل عقله هنا؟ الأدوات والبرهان

يعرض ابن عاشور خلاف المذاهب بموضوعية ثمّ يحكم بالمقاصد. الحنفية يتوسّعون في إباحة الحيل — بل ألّف بعض فقهائهم كتبًا مخصوصة في «الحيل» — والمالكية والحنابلة يمنعون الحيل استنادًا إلى مقاصد الشارع وسدّ الذرائع.

ثمّ يستدعي موقف ابن تيمية وابن القيم — وهما من أشدّ المنتقدين للحيل — ليُبيّن أنّ ردّهما للحيل مبنيٌّ على المقاصد نفسها التي يؤسّس لها. لكنّه لا يقتصر على نقلهم بل يُبني إطارًا يُنظّم المسألة تنظيمًا لا تنظيمهم هو له.

الأداة الحاسمة: إرجاع المسألة إلى المقاصد — الحيلة باطلة متى أبطلت مقصدًا شرعيًّا. وهذا المعيار يُغني عن المناقشة الكلامية الطويلة في كلّ صورة على حدة: بدل أن نسأل «هل هذا التصرّف حيلة؟» نسأل «هل يُبطل هذا التصرّف مقصدًا شرعيًّا؟».

5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الأثر والموقع

يُرجع ابن عاشور المسألة إلى المقاصد — الحيلة باطلة متى أبطلت مقصدًا شرعيًّا. هذا التأصيل يُحوّل النقاش من مستوى الصور والأشكال إلى مستوى الغايات والمقاصد. وهو تحوّل منهجي له آثار واسعة في الفقه المعاصر: لا سيّما في المعاملات المالية، حيث كثرت «الحيل الشرعية» التي تُعطي عقودًا ربوية مسمّياتٍ فقهية.

كذلك فتح الباب أمام نقاش منهجي حول الحيل في القانون الوضعي والتشريع المدني: كيف تُعامَل الصيغ القانونية التي تتحايل على روح القانون مع احترام نصّه؟ المقاصد توفّر إجابة موحّدة للنوعين.

6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية

ما بقي حيًّا: التمييز الرباعي ومعيار المقاصد صمدا وصارا مرجعًا في الفقه المعاصر، لا سيّما عند الكلام على ما يُسمّى اليوم الهندسة المالية الإسلامية والعقود المستحدثة.

حدوده: حدّ التحيّل والتدبير دقيق — وقد يختلف فقيهان في تصنيف الفعل نفسه. ابن عاشور يُقرّر أنّ المعيار هو إبطال المقصد الشرعي، لكنّ المقاصد الشرعية نفسها متفاوتة ومختلف فيها. فقد يرى فقيهٌ أنّ التصرّف يُبطل مقصدًا والآخر لا يراه كذلك — وما من ميزان رياضي يحسم الأمر. وهذا يعني أنّ الإطار المقاصدي، رغم تفوّقه على الإطار الشكلي، يبقى مفتوحًا على الاجتهاد والخلاف.

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «التحيّل على العمل في صورة مشروعة» (شاملة 1582–1599، ج3 ص317–335).