قراءة تحليلية · القسم الثاني من مقاصد الشريعة

طلب الشريعة للمصالح

الفصل السابع من المقاصد العامّة · صفحات 219–229 من الجزء الثالث

11صفحات
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

يُكمل هذا الفصل فصل المصلحة ويُثبت أنّ الشريعة بمجموعها تطلب المصالح — ليس بنصّ واحد بل بالاستقراء الكامل لتصرّفاتها. ابن عاشور يميّز بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة، ويُثبت أنّ التشريع منوط بالأولى بينما الثانية جزاء.

فيما يلي تشريحٌ للفصل في ستّة محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 لماذا وُلد هذا الفصل؟ موقعه من الكتاب والمشكلة التي يعالجها

يأتي بعد المصلحة ليُثبت أنّ الشريعة لا تكتفي بتعريف المصلحة بل تطلبها فعلًا في كلّ تشريعاتها. الفصل السابق عرّف المصلحة وضبط مفهومها؛ هذا الفصل يُثبت أنّ الشريعة تسعى إليها وتبنيها في كلّ حكم من أحكامها. والمشكلة التي يعالجها: هل الشريعة مجرّد نصوص تعبّدية أم هي منظومة قصدية تستهدف المصالح قصدًا؟

2 الخيط الحاكم الفكرة الواحدة التي تحكم الفصل

الشريعة كلّها جلب مصالح — وهذا ليس شعارًا بل نتيجة الاستقراء . يُصرّح ابن عاشور بأنّ «طرف المفسدة المغمور في جانب المصلحة الغامرة لا يؤثّر في نظام العالم شيئًا». فالمصلحة هي الغالبة، والمفسدة العارضة لا تقدح في هذا الأصل ولا تُلغيه. كلّ حكم من أحكام الشريعة يمكن ردّه إلى مصلحة، سواء ظهرت للعقل مباشرةً أم احتاجت إلى استنباط.

3 السؤال والقطيعة الإشكالية المؤسِّسة

يردّ ابن عاشور على من يقول إنّ بعض الأحكام لا مصلحة فيها ظاهرة — كالأحكام التعبّدية المحضة. جوابه: كلّ حكم فيه مصلحة، ظاهرة أو خفيّة. والخفيّة لا تعني العدم، بل تعني قصور الفهم البشريّ. القطيعة مع السائد: بدلًا من تقسيم الأحكام إلى معقولة المعنى وغير معقولة المعنى — تقسيم يُفضي إلى تعليق التعليل في قسم كامل — يؤكّد ابن عاشور أنّ المصلحة حاضرة في الجميع، والفرق درجات في الظهور لا في الوجود.

4 كيف يعمل عقله هنا؟ الأدوات والبرهان

يلجأ إلى الاستقراء العمليّ: يأخذ أحكامًا متنوّعة من العبادات والمعاملات والجنايات، ويُظهر مصلحتها واحدةً واحدة. ثمّ يرتفع من المفردات إلى الكلّيّ: لمّا كانت كلّ حكم يحمل مصلحة، ثبت أنّ الطلب المصلحي وصفٌ كلّيّ للشريعة لا جزئيّ.

يُميّز كذلك بين نوعين من المصالح: مصالح دنيوية عاجلة (وهي التي يستهدفها التشريع مباشرةً)، ومصالح أُخرويّة آجلة (وهي الجزاء لا التشريع). هذا التمييز يمنع الخلط بين الغايتين ويُحكم بناء النظرية.

5 أين غيّر قواعد اللعبة؟ الأثر والموقع

يُكمل بناء الشاطبي ويزيد عليه بالتمييز بين مصالح العاجل والآجل الدنيوي. الشاطبي أثبت أنّ الشريعة جاءت لمصالح العباد؛ ابن عاشور يُضيف تحديدًا: هذه المصالح أوّلًا دنيوية، والأُخرويّة نتيجة لا أصل. بهذا يُفرّغ باب الاحتجاج بمصالح مجهولة أُخرويّة لتسويغ أحكام لا مصلحة دنيوية ظاهرة فيها.

6 ماذا بقي حيًّا؟ وأين حدوده؟ المحاكمة النقدية

ما بقي حيًّا: الفصل تأسيسي أكثر ممّا هو تطبيقي — يُثبت المبدأ ويرسّخه. وقد صار من المسلّمات في الفكر المقاصدي المعاصر أنّ جلب المصالح ودرء المفاسد ليس مجرّد قاعدة مذكورة في المقدّمات بل حقيقة مستقرأة من صميم التشريع.

حدوده: الفصل لا يُفصّل آليات الترجيح عند التعارض بين مصالح متزاحمة. يُثبت أنّ الشريعة تطلب المصالح، لكنّه لا يُقدّم هنا سلّمًا دقيقًا لتقديم مصلحة على أخرى عند التزاحم — هذا يُحال إلى فصول أخرى. وهذا يُضعف قيمته التطبيقية المباشرة للمجتهد.

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «طلب الشريعة للمصالح» (شاملة 1484–1494، ج3 ص219–229).