قراءة تحليلية · الأساليب والمناهج

صفة التعليم الإسلامي وأساليبه ومناهجه

من «صفة التعليم الإسلامي» إلى «تعليم المرأة» · صفحات 39–54

16صفحات
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

ينتقل ابن عاشور من «متى ظهرت العلوم» إلى «كيف كانت تُدرَّس». يعرض أساليب التعليم منذ مجلس النبيّ في المسجد، ثمّ تدرّج التعليم إلى درجتين: تعليم الصبيان في الكُتّاب (حفظ القرآن والكتابة)، وتعليم الكبار (الفهم وشرح المتون). ويتناول نشأة نظم العلوم شعرًا لتسهيل الحفظ، ومعيار أهلية المعلّم للتصدّي، وصفة الدروس (الحلق والمحبرة واللوح)، ومواضع التعليم (المسجد والبيوت والمدارس)، ويحرّر مسألة تسمية «جامعة بغداد». ويختم بفصلٍ عن تعليم المرأة.

فيما يلي تشريحٌ للقسم في ثمانية محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 النصّ ماذا يقول هذا القسم نفسه؟

يبدأ القسم بأنّ الإسلام «ظهر مقارنًا لظهور الدعوة إلى التعلّم»، وأنّ مجلس النبيّ في المسجد كان أوّل صورة للتعليم المنظّم. ثمّ يصف تدرّج التعليم إلى درجتين: ابتدائية في الكُتّاب — يتلقّى فيها الصبيّ حروف الهجاء والكتابة وقصار السور، بطريقتين في تعليم القرآن (من البقرة، أو من المعوّذتين، مع البدء بالفاتحة في كلتيهما)؛ وعالية يتلقّى فيها الكبار الفهم وشرح المتون.

ويذكر أنّهم لمّا رأوا «حافظة الصغير قويّة الوعي» زوّدوا حوافظ الصغار «بالقرآن وألفاظ متون العلوم بدون إفهام، ثمّ يكرّون على ذلك بالتدريس للإفهام». وهذه العبارة — «بدون إفهام» — مفتاحٌ سيصير لاحقًا محلَّ نقدٍ للنظام القديم. ثمّ مالوا إلى نظم العلوم شعرًا لتسهيل حفظها (كألفية ابن مالك والشاطبية). ويعرض معيار الأهلية للتصدّي للتعليم — وأصله شهادة النبيّ لنفرٍ من أصحابه، وشهادة أهل العلم للمتصدّي (كقول مالك إنّه ما جلس حتى شهد له سبعون شيخًا). ثمّ صفة الدروس: الحلق، والمحبرة واللوح لا يفارقان الطالب. ثمّ مواضع التعليم: المسجد أوّلًا، ثمّ الكُتّاب والبيوت والمدارس. ويحرّر أنّ لفظ «جامعة بغداد» أو «كلّية قرطبة» ترجمةٌ أوروبية لا تعني مؤسّسةً جامعة بالمعنى الحديث. ويختم بأنّ تعليم المرأة اقتصر غالبًا على القرآن والعبادات والأدب، مع نوادر بلغن مبلغ الفقه كعائشة وأمّ الدرداء.

2 الأطروحة الفكرة المركزية التي يؤسّسها القسم

الأطروحة: التعليم الإسلاميّ تشكّل تاريخيًّا نظامًا متكاملًا من المراحل والطرائق والفاعلين والأمكنة؛ فلكلّ مرحلةٍ أسلوبها (الحفظ للصغار، الفهم للكبار)، وللتدريس أهليّةٌ تضبطها الجماعة العلمية، وللتعليم فضاءاتُه التي تطوّرت من المسجد والبيت إلى المدرسة. فالمنهج مبنيٌّ على تصوّرٍ لاختلاف قدرات المتعلّم باختلاف السنّ، ولا سيّما العلاقة بين قوّة الحفظ ونضج الفهم.

وتأتي مسألة تعليم المرأة في آخر القسم لتكشف بُعدًا خامسًا في هذا النظام: حدود الإتاحة — مَن يدخل النظام أصلًا ومَن يُقصى منه أو يُضيَّق عليه. فالقسم — قراءةً — يجيب عن خمسة أسئلة متتابعة: ماذا يتعلّم الطالب؟ وكيف؟ ومَن يعلّمه؟ وأين؟ ثمّ: مَن يُتاح له أن يتعلّم؟

ويتفرّع عنها أطروحةٌ نقدية-تاريخية: أنّ كثيرًا من المصطلحات التي نُسقطها على الماضي (كـ«الجامعة») هي ترجماتٌ حديثة لا تطابق الواقع التاريخيّ؛ فالدقّة تقتضي وصف المؤسّسات بما كانت عليه لا بما نتصوّره عنها.

3 بنية الحجّة كيف يبني القسم عرضه؟

الأداة الأولى التعليل النفسيّ-التربويّ: يربط طريقة الحفظ المبكّر بقوّة حافظة الصغير، ونظمَ العلوم شعرًا بصعوبة حفظ المنثور. فالممارسة تُفسَّر بوظيفتها لا تُوصَف فقط.

الأداة الثانية الإسناد إلى الأصل النبويّ: يردّ معيار الأهلية إلى شهادة النبيّ لأصحابه («خذوا القرآن عن أربعة…»)، فيمنح الممارسة التاريخية جذرًا تأصيليًّا.

الأداة الثالثة التحرير النقديّ للمصطلح: في مسألة «جامعة بغداد» يفكّك الترجمة الأوروبية ويعيدها إلى أصلها، مُبيّنًا أنّ «التاريخ لم يثبت أنّ في بغداد مدرسةً كلّية جامعة». وهذه أداةٌ نقدية تميّز عرضه عن السرد التبجيليّ.

4 المفاهيم المصطلحات المفتاحية في القسم

درجتا التعليم: ابتدائيّ في الكُتّاب (حفظ وكتابة)، وعالٍ في الحلق (فهم وشرح). تمييزٌ يؤسّس لتصوّر «المراحل» في التعليم.

الاستحضار مقابل الفهم: ثنائيّةٌ منهجية حاكمة في التصوّر الذي يصفه ابن عاشور — الحفظ للصغار، والفهم للكبار؛ ثمّ «يُكرّ على المحفوظ بالتدريس للإفهام». فالحفظ في هذا التصوّر مقدّمةٌ للفهم لا بديلٌ عنه — لكنّ عبارة «بدون إفهام» تفتح سؤالًا يؤجّله القسم: هل الحفظ السابق للفهم مرحلةٌ وظيفية، أم يمكن أن يتحوّل إلى آليةٍ تعيق الفهم؟

نظم العلوم وتحوّل الوسيلة: تحويل المتون إلى أراجيز لتسهيل الحفظ. مفهومٌ يكشف كيف تكيّفت الوسيلة مع غاية الحفظ — لكنّه يحمل قانونًا أعمّ: أنّ التقنية التعليمية قد تكون حلًّا في مرحلة ثمّ تتحوّل إلى عائقٍ في أخرى؛ فالنظم بدأ ضغطًا للمعرفة وتيسيرًا للحفظ، وقد ينقلب لاحقًا إلى ثقافةٍ تتمحور حول استظهار الصيغ.

الأهلية بوصفها اعترافًا من الجماعة العلمية: لا يتصدّى للتعليم إلّا من شهد له أهل العلم؛ فشرعية المدرّس تُبنى من شهادة العلماء له لا من وثيقةٍ إدارية مركزية. وهو نموذجُ «الاعتراف من الأقران» قبل نموذج «الاعتماد المؤسّسي» البيروقراطيّ.

5 القيمة التجديدية ما الذي يميّز طريقة ابن عاشور هنا؟

القيمة الأبرز نقدُه للإسقاط المصطلحيّ. حين يرفض ترجمة «جامعة بغداد» على ظاهرها، يمارس نقدًا تاريخيًّا يميّز بين الواقع التاريخيّ وبين المفاهيم الحديثة المُسقَطة عليه. وبلغة البحث التاريخيّ المعاصر، يحذّر هنا عمليًّا من المفارقة التاريخية: استعمال اسمٍ حديث بما يوهم وجود البنية المؤسّسية الحديثة نفسها. وهذه يقظةٌ منهجية لافتة؛ إذ يرفض تضخيم صورة الماضي بإلباس مؤسّساته أسماء الحاضر.

وقيمةٌ ثانية في قراءته الوظيفية للأساليب: لا يعرض طريقة الحفظ أو نظمَ المتون بوصفها تقاليد جامدة، بل بوصفها حلولًا عملية لمشكلات حقيقية (ضعف التدوين، قوّة حافظة الصغير). وهذا يمهّد — في فصول لاحقة — لنقده حين تحوّلت هذه الحلول نفسها إلى عوائق.

6 السياق التاريخي ماذا يكشف القسم عن مؤسّسة التعليم

يكشف القسم أنّ التعليم الإسلاميّ نشأ قبل ظهور المدرسة بوصفها مؤسّسةً تعليمية مستقلّة: في مؤسّساتٍ دينية واجتماعية قائمة — المسجد والبيت. وينبغي التفريق: ظلّ المسجد مركزًا رئيسيًّا لمجالس علم الكبار (ومجلس النبيّ كان فيه)، بينما استقلّ تعليم الصبيان غالبًا في الكتاتيب والبيوت — بل يورد ابن عاشور عن مالك أنّه لم يرَ تعليم الصبيان في المسجد مناسبًا لأنّ «المسجد لم يُنصب للتعليم». وهذا التفصيل يفسّر مرونة النظام وتفاوته بين الأقطار.

وفي مسألة تعليم المرأة: الغالب على المبحث الوصف التاريخيّ (اقتصار تعليم المرأة غالبًا على القرآن والعبادات والأدب وتدبير المنزل)، مع ذكر النوادر اللاتي تجاوزنه كعائشة وأمّ الدرداء والشفاء العدوية. لكنّ صياغته لا تخلو من تفسيرٍ معياريّ متأثّر بتصوّرات عصره عن تقسيم الأدوار بين الرجل والمرأة؛ فافتتاحه للمبحث يتضمّن تعليلًا اجتماعيًّا لاقتصار المرأة على المنزل. فليس المبحث وصفًا محايدًا تمامًا، وهو ما نعود إليه في المحاكمة.

7 المحاكمة النقدية أين تقف قوّة القسم وأين حدّه؟

قوّته: يجمع بين وصفٍ دقيق للممارسة وتعليلٍ وظيفيّ لها ونقدٍ مصطلحيّ لِما أُسقط عليها؛ وهذا الجمع يرفع القسم من التأريخ إلى التحليل.

حدّه الأوّل: يعرض ابن عاشور أساليب الحفظ ونظمَ المتون عرضًا وصفيًّا هنا، ويؤجّل نقدها إلى أقسام الإصلاح اللاحقة. فالقارئ في هذا الموضع لا يلمس بعدُ موقفه النقديّ من إفراط الحفظ على حساب الفهم — وهو موقفٌ سيظهر لاحقًا. وهذا تقسيمٌ منهجيّ مقصود، لكنّه يجعل هذا القسم أقرب إلى الوصف منه إلى المحاكمة.

حدّه الثاني: بعض تعميماته عن «قوّة حافظة الصغير وضعف فهمه» ملاحظةٌ حدسية مبنيّة على خبرةٍ تربوية عامّة، لكنّها تُصاغ في صورة قاعدةٍ شاملة من غير تحديد الفروق الفردية أو درجات العمر أو شروط الحفظ والفهم.

حدّه الثالث — تصوّره لتعليم المرأة: يصف ابن عاشور تاريخ تعليم المرأة ضمن تصوّرٍ تقليديّ لتوزيع الوظائف الاجتماعية بين الجنسين، ويجعل التوسّع في العلم لدى النساء في كثيرٍ من المواضع استثناءً من الأصل. وهذه الصياغة تحتاج أن تُقرأ بوصفها جزءًا من أفقه التاريخيّ والاجتماعيّ، لا وصفًا محايدًا تمامًا ولا معيارًا صالحًا بذاته للحاضر.

8 ما يبقى حيًّا اليوم ما الذي ما زال منتجًا في هذا القسم؟

يبقى حيًّا مبدأُ مطابقة الأسلوب لمرحلة المتعلّم: أنّ لكلّ سنٍّ ما يناسبها من الحفظ والفهم. وهو مبدأٌ يتقاطع مع التفكير التربويّ المعاصر في ضرورة ملاءمة الطريقة لقدرات المتعلّم ومرحلة تعلّمه.

ويبقى — بقوّة — درسُه المنهجيّ في نقد الإسقاط المصطلحيّ: ألّا نقرأ الماضي بمفاهيم الحاضر دون تدقيق. وهذا التنبيه ما زال ضروريًّا في كلّ كتابةٍ عن تاريخ المؤسّسات، حيث يُغري لفظُ «الجامعة» أو «الكلّية» بإسقاطٍ يشوّه الصورة التاريخية.

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: من فصل «صفة التعليم الإسلامي وأساليبه ومناهجه» إلى فصل «تعليم المرأة» (ص 39–54). وما وُسم بأنّه «قراءة» فهو تحليلٌ لا لفظٌ للمؤلّف.