انبثاث العلوم في أقطار الإسلام
هذا أطول أقسام الكتاب. ينقل ابن عاشور بؤرة النظر من الزمان إلى المكان: كيف انتشرت العلوم في أقطار الإسلام — مصر وإفريقية والأندلس وفارس والمغرب — ولماذا تقدّمت في بعضها وتأخّرت في بعض. ثمّ يخصّ تونس والزيتونة بتفصيلٍ واسع: درجات التعليم الثلاث، وتحوّل «طور المشاركة»، ودور الدول (الحفصية ثمّ الحسينية) في نهوض العلم وخموله، وصولًا إلى مؤسّستين حديثتين: الجمعية الخلدونية (1896) والمدرسة العصفورية. وهاتان — كما سنرى — تجربتان إصلاحيّتان مؤسّسيّتان سبقتا مشروع ابن عاشور العمليّ ووفّرتا جزءًا من البيئة التي نشأ فيها.
فيما يلي تشريحٌ للقسم في ثمانية محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.
1 النصّ ماذا يقول هذا القسم نفسه؟
يتتبّع ابن عاشور انتشار العلوم قطرًا قطرًا. في مصر يذكر استقرار العلم منذ الفتح وظهور أئمّة في كلّ الفنون. وفي إفريقية والأندلس يوازن: إفريقية اقتصرت غالبًا على الفقه، بينما تقدّمت الأندلس في العلوم اللسانية والعقلية والطبّ والفلك بفضل رعاية ملوكها. وفي فارس يذكر نبوغ العلماء في الرياضيات والحكمة. وفي المغرب الأقصى يصف تأخّر العلم واقتصاره على الفقه، مع دور الدولة المرابطية ثمّ الموحّدية في نشره.
ثمّ يخصّ تونس بأوسع تفصيل. يذكر أنّ «التعليم بتونس ثلاث درجات: ابتدائية ومتوسّطة وعالية»، ويصف طور «المشاركة» في العصر الحفصيّ حين مال الناس إلى الإلمام بكلّ العلوم، ويورد جريدة أسماء علماء العصر الحفصيّ. ثمّ يصل إلى مؤسّستين حديثتين: الجمعية الخلدونية التي تأسّست سنة 1896 (1314 هـ) لتدريس العلوم العصرية (التاريخ والجغرافيا والحساب والهندسة) إلى جانب علوم الزيتونة، ويورد نصّ الدرس العلميّ الذي ألقاه سالم بوحاجب في افتتاحها؛ والمدرسة العصفورية (التأديبية) التي أُنشئت لتخريج المؤدّبين المؤهَّلين، بعد أن صار الانتقال من الكتاتيب إلى التعليم الزيتونيّ «انتقال طفرة» — أي لإصلاح الصلة بين المرحلة الابتدائية القرآنية والتعليم الزيتونيّ.
2 الأطروحة الفكرة المركزية التي يؤسّسها القسم
الأطروحة: انتشار العلوم عند ابن عاشور عمليةٌ مشروطة بالبيئة؛ تنتقل المعرفة بين الأقطار بالهجرة والاتّصال والرعاية، لكنّ تنوّعها واستقرارها يتحدّدان بمدى حاجة المجتمع إليها وبنيته الحضارية والمؤسّسية. وعبارة ابن عاشور نفسه مفتاحُ القسم: انبثّت العلوم في الأقطار «بقدر ما تسمح به أحوال الحضارة فيها».
وإذا كان المقال الثالث سأل «لماذا ينشأ العلم؟»، فهذا القسم يسأل سؤالًا مكمّلًا: «لماذا يستقرّ علمٌ في مكانٍ ولا يستقرّ في آخر؟». وجوابه أنّ المعرفة تنتقل لكنّ البيئةَ المستقبِلة تنتقي منها ما يناسب حاجاتها وبنيتها — كما يقرّر صراحةً أنّ العلوم الأندلسية بعد هجرة علمائها لم يثبت منها في تونس والمغرب إلّا ما «ناسب حالة المدنية في هذه الأقطار». ثمّ يتحوّل هذا التاريخ في تونس تدريجيًّا إلى سؤالٍ مؤسّسيّ عمليّ: كيف نربط المراحل، ونؤهّل المدرّسين، ونضيف العلوم الجديدة إلى النظام القائم؟
3 بنية الحجّة كيف يبني القسم عرضه؟
الأداة الأولى المنهج المقارن بين الأقطار: يضع الأندلس في مقابل إفريقية، والمشرق في مقابل المغرب، ليستخلص عوامل التقدّم من فروق النتائج. فالمقارنة تُنتج التفسير.
الأداة الثانية التعليل بالرعاية والحاجة: يعزو ازدهار الأندلس إلى تنشيط ملوكها واتّساع حاجات حضارتها، ويعزو ضيق علوم إفريقية إلى انحصار الحاجة في القضاء والفتوى. فالعلم يتبع الطلب الاجتماعيّ عليه.
الأداة الثالثة الوثيقة المعاصرة: في القسم التونسيّ ينتقل من التأريخ البعيد إلى وثائق حيّة — تاريخ تأسيس الخلدونية، ونصّ الدرس العلميّ الذي ألقاه بوحاجب. فيتحوّل النصّ من سردٍ تاريخيّ إلى شهادةٍ على لحظةٍ إصلاحية قريبة من زمن المؤلّف. وبذلك يكمّل هذا القسمُ المقالَ الثالث: إذ انتقل السؤال من «لماذا ينشأ العلم؟» إلى «لماذا يستقرّ علمٌ في مكانٍ دون آخر؟».
4 المفاهيم المصطلحات المفتاحية في القسم
انبثاث العلوم: استعارةٌ حاكمة — العلم يتفجّر من مركزٍ (الحجاز والعراق) ثمّ ينبثّ في الأقطار بقدر ما تسمح به حضارتها. صورةٌ تجعل الجغرافيا امتدادًا للتاريخ.
الانتقاء الحضاريّ للمعرفة: من أعمق مفاهيم القسم. انتقال العلم بين الأقاليم لا يعني استنساخه كاملًا؛ فالبيئة الجديدة تنتقي منه ما يناسب حاجاتها ومؤسّساتها. وسنده الصريح قول ابن عاشور إنّ العلوم الأندلسية بعد هجرة أهلها لم يثبت منها إلّا ما «ناسب حالة المدنية في هذه الأقطار».
الطلب الاجتماعيّ على العلم: لا تستقرّ المعرفة بمجرّد نقلها، بل تحتاج إلى وظائف ومجتمعٍ يستعملها؛ فالعلم يتبع الطلب الاجتماعيّ عليه.
رعاية الدولة: عاملٌ متكرّر في تفسير ابن عاشور لازدهار العلم وتوسيع مؤسّساته، لكنّه يعمل إلى جانب الحاجة والبيئة الحضارية وانتقال العلماء — لا وحده.
إصلاح سلسلة التعليم: تظهر العصفورية بوصفها تنسيقًا للانتقال بين المراحل وتأهيلًا للمدرّسين، لا مجرّد إضافة موادّ جديدة؛ أي إصلاحًا للمفاصل بين مستويات النظام: كُتّاب ← مؤدّبٌ مؤهَّل ← زيتونة.
الجمع بين القديم والعصريّ: جوهر تجربة الخلدونية — إضافة العلوم العصرية إلى علوم الزيتونة دون إلغاء أيّهما. ويمكن قراءة هذه التجربة تمهيدًا مؤسّسيًّا لبعض الخيارات التي سيدافع عنها ابن عاشور لاحقًا في الإصلاح.
5 القيمة التجديدية ما الذي يميّز طريقة ابن عاشور هنا؟
القيمة الأبرز جغرافيا العلم: بدل تاريخٍ خطّيّ واحد، يقدّم ابن عاشور خريطةً تفاضلية تفسّر لماذا تقدّم قطرٌ وتأخّر آخر. وهذه — قراءةً — مقاربةٌ تربط العلم ببيئته الاجتماعية والسياسية لا تعزله عنها؛ ويمكن صوغُها بلغةٍ معاصرة بأنّ العلم يتبع «الطلب الاجتماعيّ» عليه، فلا يستقرّ ما لم يجد وظيفةً ومجتمعًا يستعمله.
وقيمةٌ ثانية في إدماج التجربة الحيّة بالتأريخ: حين يورد نصّ درس بوحاجب في افتتاح الخلدونية، لا يوثّق واقعةً فحسب، بل يعرض النموذج العمليّ لأطروحته — أنّ العلوم العصرية يمكن أن تنضمّ إلى علوم الشريعة دون تصادم. فالخلدونية عنده برهانٌ ميدانيّ لا مجرّد مثال.
6 العلم والسلطة العلم والدولة وسياق الحماية في هذا القسم
هنا يبلغ خيط «العلم والسلطة» ذروته التوثيقية. يربط ابن عاشور صعود العلم وهبوطه في تونس مباشرةً بأحوال الدول: نهوضٌ في العصر الحفصيّ، وخمولٌ عند اضطراب الدول، ثمّ نهوضٌ حديث برعاية الدولة الحسينية. فالعلم عنده لا يستقلّ عن السياسة بل يتنفّس بأنفاسها.
ونلتزم الدقّة: درس بوحاجب في الخلدونية وثيقةٌ من داخل النصّ، وقد حضره — كما يذكر — الوزير الأكبر والوزير المقيم الفرنسيّ. وهذا يضع النهضة التعليمية التونسية في سياق الحماية الفرنسية وتداخل النخب والمؤسّسات التونسية مع الإدارة الاستعمارية. ونعرض هذا كما ورد، دون تحميله أكثر ممّا تقرّره هذه الصفحات.
7 المحاكمة النقدية أين تقف قوّة القسم وأين حدّه؟
قوّته: الجغرافيا التفاضلية للعلم مقاربةٌ خصبة تفسّر التفاوت بدل وصفه؛ وإدماجُ الوثائق المعاصرة يمنح القسم مصداقيةً وحيويّة.
حدّه الأوّل — قربُ المؤلّف من موضوعه: حين يصل إلى تونس والخلدونية يقترب السرد من البيئة التي تكوّن فيها ابن عاشور والتي سيصبح لاحقًا أحد فاعلي إصلاحها. وهذا يرفع قيمة الشهادة المحلّية، لكنّه يرفع معها ضرورة التمييز بين المؤرّخ والمشارك في المسار الإصلاحيّ اللاحق؛ فبالنسبة إلى حدث تأسيس الخلدونية سنة 1896 لا ينبغي إيهام القارئ بأنّه كان فاعلًا مركزيًّا فيه في ذلك التاريخ.
حدّه الثاني — التعليل بالرعاية قد يُختزل: ردُّ تقدّم العلوم إلى رعاية الدولة عاملٌ حقيقيّ لكنّه ليس وحده. والنقد الأقوى من داخل عرضه نفسه: فهو يذكر عواملَ متعدّدة — الحضارة، والهجرة، والحاجة، وانتقال العلماء، والاستقرار، والتنظيم — ممّا يجعل اختزال التفاوت في الرعاية السياسية وحدها أضيق من المادّة التي يقدّمها هو.
8 ما يبقى حيًّا اليوم ما الذي ما زال منتجًا في هذا القسم؟
تبقى حيّةً تجربتا الخلدونية والعصفورية بوصفهما نموذجًا مبكّرًا لإصلاحٍ مؤسّسيّ ذي وجهين: الجمعُ بين العلوم الزيتونية والعلوم الحديثة (وهو ما سيُصاغ لاحقًا في الفكر العربيّ بمفردات من قبيل «الأصالة والمعاصرة»)، وإصلاحُ الصلة بين مراحل التعليم وتأهيلِ مدرّسيه. وهذان السؤالان — كيف نجمع بين الموروث والوافد، وكيف نربط مراحل النظام — ما زالا حيّين في كلّ نقاشٍ تربويّ عربيّ إلى اليوم.
ويبقى منهجه في ربط العلم ببيئته، وأعمقُ منه قانونُ «الانتقاء الحضاريّ للمعرفة»: أنّ العلم ينتقل لكنّ كلّ بيئةٍ تعيد تشكيله بحسب حاجاتها ومستوى حضارتها ومؤسّساتها. وهو درسٌ يقاوم تصوّرَ العلم قوّةً مستقلّة تنمو في فراغ، ويذكّر بأنّ المعرفة تحتاج إلى بيئةٍ تحتضنها وتنتقي منها.
جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: من فصل «انبثاث العلوم الإسلامية في أقطار الإسلام» إلى فصل «المدرسة التأديبية (العصفورية)» (ص 55–99)، ومنه نصّ الدرس العلميّ الذي ألقاه سالم بوحاجب في افتتاح الجمعية الخلدونية. وما وُسم بأنّه «قراءة» فهو تحليلٌ لا لفظٌ للمؤلّف.