قراءة تحليلية · الفصل الأوّل

لماذا نسعى إلى إصلاح التعليم

الفصل الأوّل · صفحات 9–12

4صفحات
📝 هذه قراءة تحليلية وليست نصّ ابن عاشور. اقرأ المتن الأصلي ←
المدخل — في دقائق

بعد أن قرّر المدخلُ أنّ إصلاح التعليم أصلٌ لكلّ إصلاح، يجيب هذا الفصل عن سؤال «لماذا؟». يرتّب ابن عاشور غايات التعليم على مستويين: منفعةٌ شخصية (دنيوية أو أخروية)، ثمّ غايةٌ اجتماعية أسمى هي «إنتاج قادة للأمّة». ثمّ يحسم مسألةً منهجية: هل التعليم موهبةٌ فرديّة أم فنٌّ له قواعد؟ فيرجّح أنّه فنٌّ يُبحث ويُضبط. ويُشدّد على خطر التعليم العامّ — إن فسد شقيت به الأمّة كلّها. ويُنبّه أخيرًا إلى أنّ التعليم لم يزل ميدانًا للتنافس على السلطة بين الدول والأحزاب.

فيما يلي تشريحٌ للفصل في ثمانية محاور. اضغط أيّ محورٍ لفتحه أو طيّه.

1 النصّ ماذا يقول الفصل نفسه؟

يفتتح ابن عاشور بأنّ الإنسان «يشتغل في هذا العالم ليحصّل السعادة… بجلب المنافع واتّقاء المضارّ»، وأنّ العلم هو أداة «استقامة الأشغال». ويُلفت أنّه يؤسّس ضرورة التعليم هنا تأسيسًا إنسانيًّا قبل أن يكون تشريعيًّا: يبدأ من طلب الإنسان للسعادة واستقامة العمل، لا من «الدين يأمر بالعلم». ثمّ يرتّب الغايات على مستويين: منفعةٌ شخصية — دنيوية أو أخروية — يجتنيها المتعلّم لنفسه («لكلتا الغايتين طلّابًا»)، ووراءهما «غاية هي أسمى وأعظم… وهي إنتاج قادة للأمّة في دينها ودنياها». ويلاحظ أنّ هذه الغاية العليا «قد لا تكون مقصودة للمتعلّمين ولا لأوليائهم»، فوجب أن «تُحجَب وراء ستار الترغيب في المنافع الشخصية» حتى إذا بلغ المتعلّم النبوغ «صرف همّته إلى نفع أمّته».

ثمّ يعرض المسألة المنهجية: ينقل قول «بعض أهل النقد» إنّ التعليم «لا يدخل تحت البحث والقواعد» لأنّه متوقّف على المعلّم، ويقابله بأنّ «الرأي السائد بين أهل النظر أن تعيَّن حدود هذا الفنّ… وأن يُبحث عن معرفة الطرق الموافقة لدرس التعليم». ويستشهد بتجربته الذاتية وبتجربة صديقه محمد الخضر بن الحسين في الاستطراد المُفسد للدرس. ثمّ يقرّر أنّ «خطأ التعليم العامّ خطر عظيم على الأمّة أشدّ من خطر الجهالة». ويختم بأنّ «التنافس على السلطة على التعليم خُلقٌ قديم للدول والأحزاب»، مورِدًا أمثلةً من صدر الإسلام ومن فرنسا بعد قضية دريفوس .

2 الأطروحة الفكرة المركزية التي يؤسّسها الفصل

الأطروحة: للتعليم غايةٌ اجتماعية عليا تتجاوز نفع الفرد — إنتاج قادة الأمّة وهُداتها — وهذه الغاية هي التي تجعل إصلاحه ضرورةً جماعية لا اختيارًا فرديًّا. والمفتاح في بنية «الستار»: المتعلّم يُساق ابتداءً بحافز المنفعة الشخصية، لكنّ ثمرة النظام النهائية أوسع من قصد أفراده.

ويترتّب على ذلك أنّ إصلاح التعليم ليس تحسينًا لأداء أفراد، بل إصلاحٌ للمؤسّسة التي تُنتج — في تصوّره — قادة الأمّة وهُداتها (وبلغةٍ تحليلية حديثة: المؤسّسة المنتِجة للنخب). وهذا يصل الفصلَ بأطروحة المدخل: إذا كان التعليم «مبدأ» كلّ إصلاح، فلأنّه المصنع الذي يُخرج قادة الإصلاح أنفسهم.

3 بنية الحجّة كيف يبني الفصل إقناعه؟

يتدرّج ابن عاشور من الأدنى إلى الأعلى. يبدأ من حافز السعادة الفردية المشترك بين الناس جميعًا، ليكسب التسليم الأوّل. ثمّ يرقى إلى الغاية الجماعية عبر فكرة «الستار» — وهي حجّةٌ نفسية-تربوية: لا تُصارح الناشئ بالغاية العليا، بل استدرجه إليها بمنفعته القريبة.

ثمّ يستعمل الحجاج بالسلطة العلمية: يستشهد بأفلاطون في تعريف التعليم الصحيح، وبابن العربي وابن خلدون في العناية بأساليب التعليم. ويمكن أن تُقرأ هذه الاستشهادات بوصفها تأسيسًا تاريخيًّا لفكرة أنّ التعليم موضوعٌ للنظر والتحسين، لا ممارسةً متروكةً للموهبة وحدها.

ثمّ الحجاج بالاعتراف الذاتي: يجعل من أخطائه هو ومن اعتراف الخضر بن الحسين دليلًا حيًّا على أنّ غياب القواعد يُفسد حتى درس البارعين. والاعتراف من داخل أهل العلم أقوى من نقد الغرباء.

4 المفاهيم المصطلحات المفتاحية في الفصل

العلوم الحاجية / الأدبية: يميّز بين علومٍ تُطلب لحاجة الحياة الاجتماعية (وتكثر بتقدّم الحضارة)، وعلومٍ أدبية غايتها «الكمال النفساني» والانبساط — وهي في الاعتبار ثانية لكنّ نفعها لا يقصر عن الأولى. وبذلك لا تختزل فلسفته التعليمية المعرفةَ في الوظيفة والمنفعة المادية؛ فالعلوم التي تحقّق الكمال النفسانيّ تبقى ذات نفعٍ معتبَرٍ عنده.

التعليم فنّ لا موهبة فقط: جوهر الفصل المنهجي. الموهبة شرطٌ في المعلّم، لكنّ التعليم مع ذلك «فنٌّ» له حدودٌ وطرقٌ تُبحث وتُضبط. وهذا يفتح باب الإصلاح: ما كان فنًّا قَبِل القاعدة والنقد والتحسين.

التعليم العامّ: مفهومٌ محوريّ. يفرّق ضمنًا بين خطأ الفرد المحدود وخطأ النظام العامّ الشامل؛ فالأوّل يُصلحه حسن الطبع في بعض الأفراد، والثاني «إن كان فاسدًا شقيت به الأمّة كلّها».

التعليم العامّ وانتقاء النبوغ: غايةُ «إنتاج قادة الأمّة» تكشف بُعدًا نخبويًّا (بالمعنى التقنيّ لا القدحيّ) في فلسفته: التعليم العامّ يشمل الجميع، لكنّ إحدى غايات النظام اكتشافُ النوابغ وإنتاجهم. ويظهر ذلك في جعله المرحلتين الابتدائية والثانوية «معيارًا يُرينا لماذا يصلح المتعلّم لأن يُناط به من العلوم في مستقبله».

5 القيمة التجديدية ما الذي يميّز موقف الفصل؟

القيمة الأبرز نقل التعليم من دائرة «الحرفة الموروثة» إلى دائرة «الفنّ القابل للنقد والبناء». وهذه — لفظًا — قراءةٌ تحليلية لموقف ابن عاشور لا عبارته؛ لكنّها مستندةٌ إلى تقريره أنّ للتعليم حدودًا وطرقًا تُبحث. وأثرها العمليّ أنّ إصلاح التعليم يصير مشروعًا ممكنًا لا مستحيلًا: فالقول بالموهبة وحدها يضيّق مجال الإصلاح المؤسّسيّ، أمّا عدّ التعليم فنًّا ذا قواعد فيفتح باب تقويمه وتحسينه.

وقيمةٌ ثانية في ربط الغاية الفردية بالغاية الجماعية عبر «الستار»: فهو لا يُلغي حافز المنفعة الشخصية (كما قد يفعل خطابٌ زهديّ)، بل يوظّفه سُلَّمًا إلى النفع العامّ. وهذا تصوّرٌ واقعيّ لدوافع المتعلّمين.

6 التعليم والسلطة كيف يتحوّل التعليم إلى ميدانٍ للصراع؟

هنا أعمق فكرة في الفصل، وأكثرها حداثة. لا يكتفي ابن عاشور بأنّ الأمم تهتمّ بالتعليم، بل يقرّر أنّ «التنافس على السلطة على التعليم خُلقٌ قديم للدول والأحزاب». وبلغةٍ تحليلية معاصرة، يمكن قراءة ذلك بوصف التعليم ميدانًا للصراع على تشكيل الوعي، لا حقلًا معرفيًّا محايدًا.

ويسوق ابن عاشور شواهده من داخل التراث وخارجه: يستشهد بمنع عثمان أبا ذرّ من بثّ مبادئه، وبحجر الفقهاء قراءةَ الفلسفة وترددهم في المنطق، وبحصر ملوك بني أميّة بالأندلس الدراسةَ في مذهب مالك. ثمّ يورد — في عرضه للواقعة الفرنسية — أنّ الجمهورية بعد قضية دريفوس ضيّقت سنة 1903 على مدارس رجال الدين واشترطت للوظائف شهادةً من مدارسها. وتكشف أمثلته إدراكه أنّ التحكّم في التعليم أداةٌ مؤثّرة في تشكيل المجتمع واتجاهاته. (وهذه الوقائع مُقدَّمةٌ بحسب عرض ابن عاشور لها، لا بوصفها تحقيقًا تاريخيًّا مستقلًّا.)

7 المحاكمة النقدية أين تقف قوّة الفصل وأين حدّه؟

قوّته: يجمع بين ثلاثة مستويات نادرًا ما تجتمع: فلسفة الغاية (لماذا نتعلّم)، ومنهج الوسيلة (التعليم فنّ)، وسياسة السلطة (من يتحكّم بالتعليم). وهذا الجمع يمنح دعوته الإصلاحية عمقًا يتجاوز المطالب الإجرائية.

حدّه الأوّل — بنية «الستار»: فكرة إخفاء الغاية العليا وراء المنفعة الشخصية ذكيّةٌ تربويًّا، لكنّها تفترض وصايةً من واضع النظام على قصد المتعلّم؛ وهي تثير سؤالًا لا يجيب عنه الفصل: من يملك تحديد «الغاية العليا» التي تُساق إليها العقول دون علمها؟ حين يقرن ابن عاشور نفسه التعليمَ بالسلطة والصراع، يصير هذا السؤال أحدّ: الستار أداةُ توجيهٍ يمكن أن تُوظَّف في غير وجهتها.

حدّه الثاني — «أخطر من الجهل»: القول إنّ خطأ التعليم العامّ «أشدّ من خطر الجهالة» بليغٌ ومؤثّر. ويقدّم له ابن عاشور تعليلًا كيفيًّا — أنّ الجهل قد يترك مجالًا لاستثناءات الفطرة السليمة، بينما يُشيع التعليم الفاسد الخللَ في الأمّة كلّها — لكنّه لا يقدّم معيارًا يتيح وزنَ هذا الخطر أو مقارنته تجريبيًّا. فالحجّة قائمةٌ في اتجاهها، محدودةٌ في برهانها.

8 ما يبقى حيًّا اليوم ما الذي ما زال منتجًا في هذا الفصل؟

يبقى حيًّا تصوّرُ التعليم بوصفه سلطةً على تشكيل الوعي، لا نقلًا محايدًا للمعرفة. وهي فكرةٌ تتقاطع بقوّة مع نقاشاتٍ معاصرة حول المناهج وهُويّة التعليم ومن يملك رسمها؛ وتفسّر لماذا يظلّ التعليم في كلّ عصرٍ ساحةَ صراعٍ سياسيّ لا فنّيّ فقط.

ويبقى كذلك التمييز بين خطأ الفرد وخطأ النظام: أنّ إصلاح المؤسّسة أولى من إصلاح المعلّم الواحد، لأنّ فساد النظام العامّ يعمّ أثره ولا يُنقذ منه استثناءٌ فرديّ. وهو منظورٌ ينسجم مع المقاربات المؤسّسية الحديثة التي تنظر إلى الخلل بوصفه مشكلة نظامٍ لا مجرّد خطأ أفراد.

جميع النصوص المقتبسة من متن ابن عاشور: فصل «لماذا نسعى إلى إصلاح التعليم» (ص 9–12). وما وُسم في المقال بأنّه «قراءة» فهو تحليلٌ لا لفظٌ للمؤلّف.